الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

تفسير البقرة من الآية 11 إلى الآية 20


البقرة من الآية 11 إلى الآية 20
﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12)
عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} أما لا تفسدوا في الأرض، قال: الفساد هو الكفر، والعمل بالمعصية.
عن أبي العالية، في قوله تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض} قال: يعني: لا تعصوا في الأرض، وكان فسادهم ذلك معصية الله؛ لأنه من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله، فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة.
فالمنافق لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، فكأن الفساد من جهة المنافق حاصل؛ لأنه هو الذي غر المؤمنين بقوله الذي لا حقيقة له، ووالى الكافرين على المؤمنين، ولو أنه استمر على حالته الأولى لكان شره أخف، ولو أخلص العمل لله وتطابق قوله وعمله لأفلح وأنجح؛ ولهذا قال تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} أي: نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين، ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء.
يقول الله: {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} يقول: ألا إن هذا الذي يعتمدونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادا.

{وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون (13) }
وإذا قيل للمنافقين: {آمنوا كما آمن الناس} أي: كإيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار وغير ذلك {قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء} يعنون -لعنهم الله-أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والسفهاء: جمع سفيه، والسفيه: هو الجاهل الضعيف الرأي القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضار، وقد تولى الله سبحانه جوابهم في هذه المواطن كلها، فقال {ألا إنهم هم السفهاء} فأكد وحصر السفاهة فيهم،{ولكن لا يعلمون} يعني: ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل، وذلك أردى لهم وأبلغ في العمى، والبعد عن الهدى.
{وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون (14) الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون (15) }
وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا: {آمنا} أي: أظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة، غرورا منهم للمؤمنين ونفاقا ومصانعة وتقية، وليشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم، {وإذا خلوا إلى شياطينهم} يعني: وإذا انصرفوا وذهبوا وخلصوا  إلى شياطينهم.
وقال السدي عن أبي مالك: {خلوا} يعني: مضوا، و{شياطينهم} يعني: سادتهم وكبراءهم ورؤساءهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين.
قال ابن جرير: وشياطين كل شيء مردته، وتكون الشياطين من الإنس والجن، كما قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} [الأنعام: 112].
(قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون) أي: إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم، وعن ابن عباس: (قالوا إنما نحن مستهزئون) ساخرون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى جوابا لهم ومقابلة على صنيعهم: {الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون}
أن الله أخبر عن المنافقين أنهم إذا خلوا إلى مردتهم قالوا: إنا معكم على دينكم، في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وإنما نحن بما يظهر لهم -من قولنا لهم: صدقنا بمحمد، عليه السلام، وما جاء به مستهزئون؛ فأخبر الله تعالى أنه يستهزئ بهم، فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا، يعني من عصمة دمائهم وأموالهم خلاف الذي لهم عنده في الآخرة، يعني من العذاب والنكال.
وهو القول الذي رجحه ابن جرير ؛ لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن الله عز وجل بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك.
قال: وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس، في قوله تعالى: {الله يستهزئ بهم} قال: يسخر بهم للنقمة منهم.
وقوله تعالى: {ويمدهم في طغيانهم يعمهون} عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة قالوا يمدهم: يملي لهم.
والطغيان: هو المجاوزة في الشيء. كما قال: {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية} [الحاقة: 11] ، وقال الضحاك، عن ابن عباس: {في طغيانهم يعمهون} في كفرهم يترددون.
قال ابن جرير: والعمه: الضلال، يقال: عمه فلان يعمه عمها وعموها: إذا ضل.

{أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين (16) }
قال قتادة: استحبوا الضلالة على الهدى، أي: الكفر بالإيمان.
{أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} أي بذلوا الهدى ثمنا للضلالة، وسواء في ذلك من كان منهم قد حصل له الإيمان ثم رجع عنه إلى الكفر، أو أنهم استحبوا الضلالة على الهدى {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} أي: ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة، {وما كانوا مهتدين} أي: راشدين في صنيعهم ذلك.

{مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (17) صم بكم عمي فهم لا يرجعون (18) }
وتقدير هذا المثل: أن الله سبحانه، شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد التبصرة إلى العمى، بمن استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله، وتأنس بها فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي، وهو مع ذلك أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصر؛ وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا، كما أخبر عنهم تعالى في غير هذا الموضع، والله أعلم.
وعن قتادة في هذه الآية: إن المعنى: أن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له الدنيا، فناكح بها المسلمين، وغازاهم بها، ووارثهم بها، وحقن بها دمه وماله، فلما كان عند الموت، سلبها المنافق؛ لأنه  لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في عمله.

{أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين (19) يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير (20) }
وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى لضرب آخر من المنافقين، وهم قوم يظهر لهم الحق تارة، ويشكون تارة أخرى، فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم {كصيب} والصيب: المطر، نزل من السماء في حال ظلمات، وهي الشكوك والكفر والنفاق. {ورعد} وهو ما يزعج القلوب من الخوف، فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع، كما قال تعالى: {يحسبون كل صيحة عليهم} [المنافقون: 4] وقال: {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون، لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون} [التوبة: 56، 57] .
والبرق: هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان من نور الإيمان؛ ولهذا قال: {يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين} أي: ولا يجدي عنهم حذرهم شيئا؛ لأن الله محيط بهم بقدرته، وهم تحت مشيئته وإرادته.
والصواعق: جمع صاعقة، وهي نار تنزل من السماء وقت الرعد الشديد.
عن ابن عباس: {كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا} أي: يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم به على استقامة فإذا ارتكسوا منه  إلى الكفر {قاموا} أي: متحيرين.
وهكذا قال أبو العالية، والحسن البصري، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي بسنده، عن الصحابة وهو أصح وأظهر. والله أعلم.
{ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير} قال ابن عباس: أي إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة، أو عفو، قدير.

وقال ابن جرير: إنما وصف الله تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع؛ لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط، و أنه على إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير، ومعنى {قدير} قادر، كما أن معنى {عليم} عالم.

موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017