الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

في رحاب الفاتحة

سورة الفاتحة:
يُقَالُ لَهَا: الْفَاتِحَةُ، أَيْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ خَطًّا، وَبِهَا تُفْتَحُ  الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ  وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: أُمُّ الْكِتَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَكَرِهَ أَنَسٌ، وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ كَرِهَا تَسْمِيَتَهَا بِذَلِكَ، قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ: إِنَّمَا ذَلِكَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْآيَاتُ الْمُحْكَمَاتُ: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، وَلِذَا كَرِهَا  -أَيْضًا -أَنْ يُقَالَ لَهَا أُمُّ الْقُرْآنِ .
 وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ".
قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّلِ كتاب التفسير: وسميت أم الكتاب، أنه يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا  سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِرُجُوعِ مَعَانِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ  إِلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ جَامِعِ أَمْرٍ  أَوْ مُقَدَّمٍ لِأَمْرٍ -إِذَا كَانَتْ لَهُ تَوَابِعُ تَتْبَعُهُ هُوَ لَهَا إِمَامٌ جَامِعٌ -أُمًّا، فَتَقُولُ لِلْجِلْدَةِ الَّتِي تَجْمَعُ الدِّمَاغَ، أُمُّ الرَّأْسِ، وَيُسَمُّونَ لِوَاءَ الْجَيْشِ وَرَايَتَهُمُ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ تَحْتَهَا أُمًّا.
وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: الْفَاتِحَةُ؛ لِأَنَّهَا تُفْتَتَحُ بِهَا الْقِرَاءَةُ، وَافْتَتَحَتِ الصَّحَابَةُ بِهَا كِتَابَةَ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ، وَصَحَّ تَسْمِيَتُهَا بِالسَّبْعِ الْمَثَانِي، قَالُوا: لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ، فَتُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ.
فضلها:
عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ مِثْلَ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَهِيَ مَقْسُومَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي".
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنَّا فِي مَسِيرٍ لَنَا، فَنَزَلْنَا، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ، وَإِنَّ نَفَرَنَا غُيَّب، فَهَلْ مِنْكُمْ  رَاقٍ؟ فَقَامَ مَعَهَا رجل ما كنا نَأبِنُه برقية، فرقاه، فبرأ، فَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ شَاةً، وَسَقَانَا لَبَنًا، فَلَمَّا رَجَعَ  قُلْنَا لَهُ: أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً، أَوْ كُنْتَ تَرْقِي؟ قَالَ: لَا مَا رَقَيْتُ إِلَّا بِأُمِّ الْكِتَابِ، قُلْنَا: لَا تُحَدِّثُوا شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَ، أَوْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَاهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " وَمَا كَانَ يُدْريه أَنَّهَا رُقْيَةٌ، اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ جِبْرِيلُ، إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا فَوْقَهُ، فَرَفَعَ جِبْرِيلُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ قَدْ فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ، مَا فُتِحَ قَطُّ. قَالَ: فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَلَنْ تَقْرَأَ حَرْفًا مِنْهُمَا إِلَّا أُوتِيتَهُ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا أُمَّ  الْقُرْآنِ فَهِيَ خِداج -ثَلَاثًا-غَيْرُ تَمَامٍ ". فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ، قَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}قَالَ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، قَالَ مَجَّدَنِي عَبْدِي " -وَقَالَ مَرَّةً: " فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي -فَإِذَا قَالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ۞ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} ، قَالَ هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ".
الاستعاذة:
الْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ لِدَفْعِ الْوَسْوَاسِ فِيهَا، إِنَّمَا تَكُونُ قَبْلَ التِّلَاوَةِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ عِنْدَهُمْ: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النَّحْلِ: 98] أَيْ: إِذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ كَقَوْلِهِ: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: 6] أَيْ: إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ.
والاستعاذة هِيَ الِالْتِجَاءُ إِلَى اللَّهِ وَالِالْتِصَاقُ بِجَنَابِهِ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ، وَالْعِيَاذَةُ تَكُونُ لِدَفْعِ الشَّرِّ، وَاللِّيَاذُ يَكُونُ لِطَلَبِ جَلْبِ الْخَيْرِ.
وَمَعْنَى أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، أَيْ: أَسْتَجِيرُ بِجَنَابِ اللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ أَنْ يَضُرَّنِي فِي دِينِي أَوْ دُنْيَايَ، أَوْ يَصُدَّنِي عَنْ فِعْلِ مَا أُمِرْتُ بِهِ، أَوْ يَحُثَّنِي عَلَى فِعْلِ مَا نُهِيتُ عَنْهُ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يكفُّه عَنِ الْإِنْسَانِ إِلَّا اللَّهُ؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِمُصَانَعَةِ شَيْطَانِ الْإِنْسِ وَمُدَارَاتِهِ  بِإِسْدَاءِ الْجَمِيلِ إِلَيْهِ، لِيَرُدَّهُ طَبْعُهُ عمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ الْأَذَى، وَأَمَرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنْ شَيْطَانِ الْجِنِّ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ رَشْوَةً وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ جَمِيلٌ؛ لِأَنَّهُ شِرِّيرٌ بِالطَّبْعِ وَلَا يَكُفُّهُ عَنْكَ إِلَّا الَّذِي خَلَقَهُ.
والشيطان فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مُشْتَقٌّ مِنْ شَطَن إِذَا بَعُدَ، فَهُوَ بَعِيدٌ بِطَبْعِهِ عَنْ طِبَاعِ الْبَشَرِ، وَبَعِيدٌ بِفِسْقِهِ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنْ شَاطَ لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ نَارٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: كِلَاهُمَا صَحِيحٌ فِي الْمَعْنَى، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ.
والرّجيم: فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيْ: أَنَّهُ مَرْجُومٌ مَطْرُودٌ عَنِ الْخَيْرِ كُلِّهِ.

البسملة:
افْتَتَحَ بِهَا الصحابةُ كِتَابَ اللَّهِ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ مِنْ سورَة النَّمْلِ، ثمّ اختلفوا: هل هِيَ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، أَوْ أَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، أَوْ أَنَّهَا كَذَلِكَ فِي الْفَاتِحَةِ دُونَ غَيْرِهَا، أَوْ أَنَّهَا كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ، لَا أَنَّهَا  آيَةٌ؟ عَلَى أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا، وَذَلِكَ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
تقديرها: بِاسْمِ اللَّهِ ابْتِدَائِي، أو أبدأ ببسم الله.
{اللَّهِ} عَلَمٌ عَلَى الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، يُقَالُ: إِنَّهُ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ؛ لِأَنَّهُ يُوصَفُ بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الْحَشْرِ: 22 -24] ، فَأَجْرَى الْأَسْمَاءَ الْبَاقِيَةَ كلها صفات لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وللهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الْإِسْرَاءِ: 110] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ".
الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ: الرَّحْمَنَ أَشَدُّ مُبَالَغَةً فِي الرَّحْمَةِ لِعُمُومِهَا فِي الدَّارَيْنِ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، وَالرَّحِيمُ خَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَاسْمُهُ تَعَالَى الرَّحْمَنُ خَاصٌّ بِهِ لَمْ يُسم بِهِ غَيْرُهُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} ثَنَاءٌ أَثْنَى بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَفِي ضِمْنِهِ أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: قُولُوا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ}.
الْحَمْدَ هُوَ الثَّنَاءُ بِالْقَوْلِ عَلَى الْمَحْمُودِ بِصِفَاتِهِ اللَّازِمَةِ وَالْمُتَعَدِّيَةِ، وَالشُّكْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى الْمُتَعَدِّيَةِ، وَيَكُونُ بِالْجَنَانِ وَاللِّسَانِ وَالْأَرْكَانِ.
وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْحَمْدِ لِاسْتِغْرَاقِ جَمِيعِ أَجْنَاسِ الْحَمْدِ، وَصُنُوفِهِ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، وَلَكَ الْمُلْكُ كُلُّهُ، وَبِيَدِكَ الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَإِلَيْكَ يَرْجِعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ" الْحَدِيثَ.
{رَبِّ الْعَالَمِينَ} وَالرَّبُّ هُوَ: الْمَالِكُ الْمُتَصَرِّفُ، وَيُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى السَّيِّدِ، وَعَلَى الْمُتَصَرِّفِ لِلْإِصْلَاحِ، وَكُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
[وَلَا يُسْتَعْمَلُ الرَّبُّ لِغَيْرِ اللَّهِ، بَلْ بِالْإِضَافَةِ تَقُولُ: رَبُّ الدَّارِ رَبُّ كَذَا، وَأَمَّا الرَّبُّ فَلَا يُقَالُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ].
 وَالْعَالَمِينَ: جَمْعُ عَالَمٍ، [وَهُوَ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ]، وَالْعَالَمُ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَالْعَوَالِمُ أَصْنَافُ الْمَخْلُوقَاتِ [فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ] فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَكُلُّ قَرْنٍ مِنْهَا وَجِيلٍ يُسَمَّى عَالَمًا أَيْضًا.
ملك يوم الدّين: تخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئا، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه.
وقال الضحاك عن ابن عباس: {مالك يوم الدين} يقول: لا يملك أحد في ذلك اليوم معه حكما، كملكهم في الدنيا.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا أخنع اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك ولا مالك إلا الله، وفيهما عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ "
والدين الجزاء والحساب؛ كما قال تعالى: {يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق} ، وقال: {أئنا لمدينون} أي مجزيون محاسبون، وفي الحديث: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" أي حاسب نفسه لنفسه.
{إياك نعبد وإياك نستعين} بتشديد الياء، لأن "إيا" ضوء الشمس.
العبادة في اللغة من الذلة، يقال: طريق معبد، وبعير معبد، أي: مذلل، وفي الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف.
وقدم المفعول وهو {إياك}، وكرر للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة.
وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو مناسبة، لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى؛ فلهذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين}.
{اهدنا الصراط المستقيم} لما تقدم الثناء على المسؤول، تبارك وتعالى، ناسب أن يعقب بالسؤال؛ كما قال: "فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل" وهذا أكمل أحوال السائل، أن يمدح مسؤوله، ثم يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: {اهدنا}، لأنه أنجح للحاجة وأنجع للإجابة، ولهذا أرشد الله تعالى إليه لأنه الأكمل.
والهداية هاهنا: الإرشاد والتوفيق، وقد تعدى الهداية بنفسها كما هنا{اهدنا الصراط المستقيم} فتضمن معنى ألهمنا، أو وفقنا، أو ارزقنا، أو اعطنا.
وقد تعدى بإلى، كقوله تعالى: {اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم} [النحل: 121] {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} [الصافات: 23] وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة.
وأما الصراط المستقيم، فقال الإمام أبو جعفر بن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعا على أن "الصراط المستقيم" هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه.
ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة لله وللرسول.
ولهذا قال الإمام أبو جعفر بن جرير، رحمه الله: والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي أن يكون معنيا به: وفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك، من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم؛ لأن من وفق لما وفق له من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فقد وفق للإسلام، وتصديق الرسل، والتمسك بالكتاب، والعمل بما أمره الله به، والانزجار عما زجره عنه، واتباع منهاج النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهاج الخلفاء الأربعة، وكل عبد صالح، وكل ذلك من الصراط المستقيم.
{صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}
و{الذين أنعمت عليهم}هم المذكورون في سورة النساء، حيث قال: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ۞ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما} [النساء: 69، 70].

غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق، وأكد الكلام بلا ليدل على أن ثم مسلكين فاسدين، وهما طريقتا اليهود والنصارى.

موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017