الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

تفسير البقرة من الآية 91 إلى الآية 100





{وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين (91) ولقد جاءكم موسى بالبيّنات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (92)}

يقول تعالى: {وإذا قيل لهم} أي: لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب {آمنوا بما أنزل الله} أي: على محمد صلى الله عليه وسلم وصدقوه واتبعوه {قالوا نؤمن بما أنزل علينا} أي: يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التوراة والإنجيل ولا نقر إلا بذلك، {ويكفرون بما وراءه} يعني: بما بعده {وهو الحق مصدقا لما معهم} أي: وهم يعلمون أن ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم الحق  {مصدقا}منصوب على الحال، أي في حال تصديقه لما معهم من التوراة والإنجيل، فالحجة قائمة عليهم بذلك، كما قال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} [البقرة: 146] ثم قال تعالى: {قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} أي: إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاؤوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم والحكم بها وعدم نسخها، وأنتم تعلمون صدقهم؟ .
{ولقد جاءكم موسى بالبينات} أي: بالآيات الواضحات والدلائل القاطعة على أنه رسول الله، وأنه لا إله إلا الله. والبينات هي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، وفلق البحر، وتظليلهم بالغمام، والمن والسلوى، والحجر، وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها {ثم اتخذتم العجل} أي: معبودا من دون الله في زمان موسى وآياته. وقوله {من بعده} أي: من بعد ما ذهب عنكم إلى الطور لمناجاة الله.

{وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين (93)}

يعدد، تبارك وتعالى، عليهم خطأهم ومخالفتهم للميثاق وعتوهم وإعراضهم عنه، حتى رفع الطور عليهم حتى قبلوه ثم خالفوه؛ ولهذا قال: {قالوا سمعنا وعصينا} وقد تقدم تفسير ذلك.
عن قتادة: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} قال: أشربوا في قلوبهم حبه، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حبك الشيء يعمي ويصم".
وقوله: {قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين} أي: بئسما تعتمدونه في قديم الدهر وحديثه، من كفركم بآيات الله ومخالفتكم الأنبياء، ثم اعتمادكم في كفركم بمحمد صلى الله عليه وسلم وهذا أكبر ذنوبكم، فكيف تدعون لأنفسكم الإيمان وقد فعلتم هذه الأفاعيل القبيحة، من نقضكم المواثيق، وكفركم بآيات الله، وعبادتكم العجل؟!

{قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (94) ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (95) ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون (96)}

أي إن كنتم تعتقدون أنكم  أولياء الله من دون الناس، وأنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنكم من أهل الجنة ومن عداكم من أهل النار، فباهلوا على ذلك وادعوا على الكاذبين منكم أو من غيركم، واعلموا أن المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة. فلما تيقنوا ذلك وعرفوا صدقه نكلوا عن المباهلة لما يعلمون من كذبهم وافترائهم وكتمانهم الحق من صفة الرسول صلى الله عليه وسلم ونعته، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ويتحققونه. فعلم كل أحد باطلهم، وخزيهم، وضلالهم وعنادهم عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.
روي عن ابن عباس: يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} أي: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب. فأبوا ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم {ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين} أي: بعلمهم بما عندهم من العلم بك، والكفر بذلك، ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات.
وسميت هذه المباهلة تمنيا؛ لأن كل محق يود لو أهلك الله المبطل المناظر له ولا سيما إذا كان في ذلك حجة له فيها بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة بالموت؛ لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت. ولهذا قال تعالى: {ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين* ولتجدنهم أحرص الناس على حياة}: أي: أحرص الخلق على حياة أي: على طول عمر، لما يعلمون من مآلهم السيئ وعاقبتهم عند الله الخاسرة؛ لأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فهم يودون لو تأخروا عن مقام الآخرة بكل ما أمكنهم. وما يحذرون  واقع بهم لا محالة، حتى وهم أحرص الناس من المشركين الذين لا كتاب لهم وهذا من باب عطف الخاص على العام.
{وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر} أي: ما هو بمنجيه من العذاب.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذه الآية: يهود أحرص على هذه الحياة من هؤلاء، وقد ود هؤلاء أن  يعمر أحدهم ألف سنة، وليس ذلك بمزحزحه من العذاب لو عمر، كما عمر إبليس لم ينفعه إذ كان كافرا.
{والله بصير بما يعملون} أي: خبير بما يعمل عباده من خير وشر، وسيجازي كل عامل بعمله.

{قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين (97) من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين (98)}

قال الإمام الطبري رحمه الله: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا على أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك. فقال بعضهم: إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في  أمر نبوته، وجاء فيها أنّهم قالوا للنّبي صلى الله عليه وسلم: فأخبرنا عن الروح قال: "أنشدكم بالله وبآياته عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل، وهو الذي يأتيني؟ " قالوا: نعم، ولكنه لنا عدو، وهو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء، فلولا ذلك اتبعناك. فأنزل الله فيهم: {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} إلى قوله: {كأنهم لا يعلمون} [البقرة: 101].
وأما تفسير الآية فقوله تعالى: {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} أي: من عادى جبريل فليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم على قلبك من الله بإذنه له في ذلك، فهو رسول من رسل الله ملكي عليه وعلى سائر إخوانه من الملائكة السلام، ومن عادى رسولا فقد عادى جميع الرسل، كما أن من آمن برسول فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل، وكما أن من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل، كما قال تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا* أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} [النساء:150، 151] فحكم عليهم بالكفر المحقق، إذ آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعضهم وكذلك من عادى جبريل فإنه عدو لله؛ لأن جبريل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه، وإنما ينزل بأمر ربه كما قال: {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا} [مريم: 64] وقال تعالى: {وإنه لتنزيل رب العالمين* نزل به الروح الأمين* على قلبك لتكون من المنذرين} [الشعراء: 192-194] وقد روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب". ولهذا غضب الله لجبريل على من عاداه، فقال: {من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه} أي: من الكتب المتقدمة {وهدى وبشرى للمؤمنين} أي: هدى لقلوبهم وبشرى لهم بالجنة، وليس ذلك إلا للمؤمنين. كما قال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت: 44] ، وقال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 82].
ثم قال تعالى: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين} يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسلي -ورسله تشمل رسله من الملائكة والبشر، كما قال تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} [الحج: 75]، {وجبريل وميكال} وهذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة، ثم عموم الرسل، ثم خصصا بالذكر؛ لأن السياق في الانتصار لجبريل وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن معه ميكائيل في اللفظ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوهم وميكائيل وليهم، فأعلمهم أنه من عادى واحدا منهما فقد عادى الآخر وعادى الله أيضا.
[ جبريل موكل بالوحي، وميكائيل موكّل بالقطر والنبات، أما إسرافيل فموكّل بالنّفخ في الصور للبعث يوم القيامة]
وقال محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن علي بن الحسين، قال: أتدرون ما اسم جبرائيل من أسمائكم؟ قلنا: لا. قال: اسمه عبد الله، قال: فتدرون ما اسم ميكائيل من أسمائكم؟ قلنا: لا. قال: اسمه عبيد الله. وكل اسم مرجعه إلى "يل"  فهو إلى الله.

{لقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون (99) أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون (100)}

عن ابن عباس: {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات} يقول: فأنت تتلوه عليهم وتخبرهم به غدوة وعشية، وبين ذلك، وأنت عندهم أمي لا تقرأ كتابا، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه. يقول الله: في ذلك لهم عبرة وبيان، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون.
{أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم}، قال ابن جرير: أصل النبذ: الطرح والإلقاء، ومنه سمي اللقيط: منبوذا، ومنه سمي النبيذ، وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء.
فالقوم ذمهم الله بنبذهم العهود التي تقدم الله إليهم في التمسك بها والقيام بحقها، ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعته وصفته وأخباره، وقد أمروا فيها باتباعه ومؤازرته ومناصرته.


موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017