الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

تفسير البقرة من الآية 121 إلى الآية 130


تفسير البقرة من الآية 121 إلى الآية 130:
{الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون (121)}
وقوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته} قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: هم اليهود والنصارى. وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير.
وقال: سعيد عن قتادة: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو العالية: قال ابن مسعود: والذي نفسي بيده، إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئا على غير تأويله.
وقوله:{أولئك يؤمنون به}خبر عن {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته} أي: من أقام كتابه من أهل الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدمين حق إقامته، آمن بما أرسلتك به يا محمد.
{يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين (122) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون (123) }.
قد تقدم نظير هذه الآية في صدر السورة، وكررت هاهنا للتأكيد والحث على اتباع الرسول النبي الأمي الذي يجدون صفته في كتبهم ونعته واسمه وأمره وأمته. يحذرهم من كتمان هذا، وكتمان ما أنعم به عليهم، ولا يحسدوا بني عمهم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال الرسول الخاتم منهم. ولا يحملهم ذلك الحسد على مخالفته وتكذيبه.
 {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (124) }.
يقول تعالى منبها على شرف إبراهيم خليله، عليه السلام  وأن الله تعالى جعله إماما للناس يقتدى به في التوحيد، حتى قام بما كلفه الله تعالى به من الأوامر والنواهي؛ ولهذا قال: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات} أي: واذكر -يا محمد -لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملة إبراهيم وليسوا عليها، اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم، أي: اختباره له بما كلفه به من الأوامر والنواهي {فأتمهن} أي: قام بهن كلهن، كما قال تعالى: {وإبراهيم الذي وفى} [النجم: 37] ، أي: وفى جميع ما شرع له، فعمل به صلوات الله عليه.
وقوله تعالى: {بكلمات} أي: بشرائع وأوامر ونواه، فإن الكلمات تطلق، ويراد بها الكلمات القدرية، كقوله تعالى عن مريم، عليها السلام،: {وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين} [التحريم: 12] . وتطلق ويراد بها الشرعية، كقوله تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته} [الأنعام: 115] أي: كلماته الشرعية. وهي إما خبر صدق، وإما طلب عدل إن كان أمرا أو نهيا، ومن ذلك هذه الآية الكريمة: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} أي: قام بهن. قال: {إني جاعلك للناس إماما} أي: جزاء على ما فعل، كما قام بالأوامر وترك الزواجر، جعله الله للناس قدوة وإماما يقتدى به، ويحتذى حذوه.
وقوله: {قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين} لما جعل الله إبراهيم إماما، سأل الله أن تكون الأئمة من بعده من ذريته، فأجيب إلى ذلك وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمة فلا يقتدى بهم، والدليل على أنه أجيب إلى طلبته قول الله تعالى في سورة العنكبوت: {وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} [العنكبوت: 27] فكل نبي أرسله الله وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم ففي ذريته صلوات الله وسلامه عليه.
{وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (125) وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير (126)}
 عن ابن عباس، في قوله تعالى: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس} قال: يثوبون إليه ثم يرجعون.
ونقل ابن جرير عن عبدة بن أبي لبابة، في قوله تعالى: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس} قال: لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرا.
وقال ابن زيد: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس} قال: يثوبون إليه من البلدان كلها ويأتونه.
عن أبي العالية: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا} يقول: أمنا من العدو، وأن يحمل فيه السلاح، وقد كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم، وهم آمنون لا يسبون.
ومضمون ما فسر به هؤلاء الأئمة هذه الآية: أن الله تعالى يذكر شرف البيت وما جعله موصوفا به شرعا وقدرا من كونه مثابة للناس، أي: جعله محلا تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرا، ولو ترددت إليه كل عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم، عليه السلام، في قوله: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} إلى أن قال: {ربنا وتقبل دعاء} [إبراهيم: 37 -40] ويصفه تعالى بأنه جعله أمنا، من دخله أمن، ولو كان قد فعل ما فعل ثم دخله كان آمنا.
وفي هذه الآية الكريمة نبه على مقام إبراهيم مع الأمر بالصلاة عنده. فقال: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} وقد اختلف المفسرون في المراد بالمقام ما هو؟
عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعا، حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}.
وعنه أيضا قال: استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الركن، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم، فقرأ: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين.
وروى البخاري بسنده، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعا، وصلى خلف المقام ركعتين.
فهذا كله مما يدل على أن المراد بالمقام إنما هو الحجر الذي كان إبراهيم عليه السلام، يقوم عليه لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل، عليه السلام، به ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، كلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول الكعبة، وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها هكذا، حتى تم جدارات الكعبة، كما سيأتي بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت، من رواية ابن عباس عند البخاري. وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه، وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضا. وقال عبد الله بن وهب: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب: أن أنس بن مالك حدثهم، قال: رأيت المقام فيه أثر أصابعه عليه السلام، وإخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم.
وقال ابن جرير: حدثنا بشر بن معاذ، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فيه فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتى اخلولق وانمحى.
وقد كان المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما، وكان الخليل عليه السلام  لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك؛ ولهذا -والله أعلم-أمر بالصلاة هناك عند فراغ الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه، وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو أحد الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين، الذين أمرنا باتباعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر". وهو الذي نزل القرآن بوفاقه في الصلاة عنده؛ قال  يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} ولهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين.
قال الحسن البصري: قوله: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل} قال: أمرهما الله أن يطهراه من الأذى والنجس ولا يصيبه من ذلك شيء.
وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قوله: {أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين} قال: من الأوثان.
وأما قوله تعالى: {للطائفين} فالطواف بالبيت معروف. وعن سعيد بن جبير أنه قال في قوله تعالى: {للطائفين} يعني: من أتاه من غربة، {والعاكفين} المقيمين فيه.
وأما قوله تعالى: {والركع السجود} فقد روي عن ابن عباس {والركع السجود} قال: إذا كان مصليا فهو من الركع السجود.
وقوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر}: {رب اجعل هذا بلدا آمنا} أي: من الخوف، لا يرعب أهله، وقد فعل الله ذلك شرعا وقدرا. كقوله تعالى {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] وقوله {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} [العنكبوت: 67] إلى غير ذلك من الآيات، وقد ثبت عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر، جاؤوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه".
وقوله تعالى: {وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} رُوي عن أبي بن كعب: {قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} قال: هو قول الله تعالى. وهذا قول مجاهد وعكرمة وهو الذي صوبه ابن جرير، رحمه الله تعالى: قال: وقرأ آخرون: {قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم، كما رواه أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: كان ابن عباس يقول: ذلك قول إبراهيم، يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلا.
{وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم (127) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم (128)}
فالقواعد: جمع قاعدة، وهي السارية والأساس، يقول تعالى: واذكر -يا محمد -لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام البيت، ورفعهما القواعد منه، وهما يقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} فهما في عمل صالح، وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما.
وقوله تعالى حكاية لدعاء إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم}، قال ابن جرير: يعنيان بذلك، واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدا سواك، ولا في العبادة غيرك.
وقال السدي: {ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} يعنيان العرب.
قال ابن جرير: والصواب أنه يعم العرب وغيرهم؛ لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل، وقد قال الله تعالى: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} [الأعراف: 159]
وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي؛ فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي من عداهم، والسياق إنما هو في العرب؛ ولهذا قال بعده: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم} الآية، والمراد بذلك محمد صلى الله عليه وسلم، وقد بعث فيهم كما قال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} [الجمعة: 2] ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود، لقوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158] ، وغير ذلك من الأدلة القاطعة.
" وأرنا مناسكنا " قال ابن جريج، عن عطاء {وأرنا مناسكنا} أخرجها لنا، علمناها.
{ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم (129)}
يقول تعالى إخبارا عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم -أن يبعث الله فيهم رسولا منهم، أي من ذرية إبراهيم. وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في تعيين محمد -صلوات الله وسلامه عليه-رسولا في الأميين إليهم، إلى سائر الأعجمين، من الإنس والجن.
وقوله تعالى: {ويعلمهم الكتاب} يعني: القرآن {والحكمة} يعني: السنة.
{ويزكيهم} روي عن ابن عباس: يعني طاعة الله، والإخلاص.
وقوله: {إنك أنت العزيز الحكيم} أي: العزيز الذي لا يعجزه شيء، وهو قادر على كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياء في محالها؛ وحكمته وعدله.
{ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (130)}

يقول تبارك وتعالى ردا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله، المخالف لملة إبراهيم الخليل، إمام الحنفاء: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم} أي: عن طريقته ومنهجه. فيخالفها ويرغب عنها {إلا من سفه نفسه} أي: ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطفي في الدنيا للهداية والرشاد، من حداثة سنه إلى أن اتخذه الله خليلا وهو في الآخرة من الصالحين السعداء -فترك طريقه هذا ومسلكه وملته واتبع طرق الضلالة والغي، فأي سفه أعظم من هذا؟ أم أي ظلم أكبر من هذا؟ كما قال تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم}.

موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017