الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

تفسير البقرة من الآية 131 إلى الآية 140




تفسير البقرة من الآية 131 إلى الآية 140:
{ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (130) إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين (131) ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (132) }
وقوله تعالى: {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} أي: أمره الله  بالإخلاص له والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعا وقدرا.
وقوله: {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب} أي: وصى بهذه الملة وهي الإسلام لله أو يعود الضمير على الكلمة وهي قوله: {أسلمت لرب العالمين}. لحرصهم عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها إلى حين الوفاة ووصوا أبناءهم بها من بعدهم.
وقد قرأ بعض السلف "ويعقوبَ" بالنصب عطفا على بنيه، كأن إبراهيم وصى بنيه وابن ابنه يعقوب بن إسحاق وكان حاضرا ذلك، والظاهر والله أعلم، أن إسحاق ولد له يعقوب في حياة الخليل وسارة؛ لأن البشارة وقعت بهما في قوله: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} [هود: 71]، فلو لم يوجد يعقوب في حياتهما لما كان لذكره من بين ذرية إسحاق كبير فائدة، وقال تعالى في سورة العنكبوت: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [الآية: 27] وقال في الآية الأخرى: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة} [الأنبياء: 72] وهذا يقتضي أنه وجد في حياته.
وقوله: {يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} أي: أحسنوا في حال الحياة والزموا هذا ليرزقكم الله الوفاة عليه. فإن المرء يموت غالبا على ما كان عليه، ويبعث على ما مات عليه.
وهذا لا يعارض ما جاء في الحديث الصحيح"إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها"؛ لأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث: "فيعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس".
{أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون (133) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون (134) }
يقول تعالى محتجا على المشركين من العرب أبناء إسماعيل، وعلى الكفار من بني إسرائيل -وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام -بأن يعقوب لما حضرته الوفاة وصى بنيه بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال لهم: {ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} وهذا من باب التغليب لأن إسماعيل عمه.
قال النحاس: والعرب تسمي العم أبا، نقله القرطبي.
وقوله: {إلها واحدا} أي: نوحده بالألوهية، ولا نشرك به شيئا غيره {ونحن له مسلمون} أي: مطيعون خاضعون.
والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوعت شرائعهم واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25].
وقوله تعالى: {تلك أمة قد خلت} أي: مضت {لها ما كسبت ولكم ما كسبتم} أي: إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا لم تفعلوا خيرا يعود نفعه عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم: {ولا تسألون عما كانوا يعملون}.وقال أبو العالية، والربيع، وقتادة: {تلك أمة قد خلت} يعني: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، ولهذا جاء، في الأثر: من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه.
{وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (135) }
رُوي عن ابن عباس، قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد. وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله عز وجل: {وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا}.
وقوله {بل ملة إبراهيم حنيفا} " أي: لا نريد ما دعوتم إليه من اليهودية والنصرانية، بل نتبع {ملة إبراهيم حنيفا} أي: مستقيما.
{قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136) }
أرشد الله تعالى عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم مفصلا وبما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملا ونص على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء، وأن  لا يفرقوا بين أحد منهم، بل يؤمنوا بهم كلهم، ولا يكونوا كمن قال الله فيهم: {ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا} [النساء: 150، 151].
قال أبو العالية والربيع وقتادة: الأسباط: بنو يعقوب اثنا عشر رجلا؛ ولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا الأسباط.
وقال الخليل بن أحمد وغيره: الأسباط في بني إسرائيل، كالقبائل في بني إسماعيل.
وقال القرطبي: وسموا الأسباط من السبط، وهو التتابع، فهم جماعة متتابعون.
{فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (137) صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون (138) }
يقول تعالى: {فإن آمنوا} أي: الكفار من أهل الكتاب وغيرهم {بمثل ما آمنتم به} أيها المؤمنون، من الإيمان بجميع كتب الله ورسله، ولم يفرقوا بين أحد منهم {فقد اهتدوا} أي: فقد أصابوا الحق، وأرشدوا إليه {وإن تولوا} أي: عن الحق إلى الباطل، بعد قيام الحجة عليهم {فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله} أي: فسينصرك عليهم ويظفرك بهم {وهو السميع العليم}.
وقد رُوي أنّه لمّا قُتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ومصحفه في حجره، وقع دمه على قوله: {فسيكفيكهم الله وهو السّميع العليم}.
وقوله: {صبغة الله} قال الضحاك، عن ابن عباس: دين الله.
وانتصاب {صبغة الله} إما على الإغراء كقوله {فطرت الله} [الروم: 30] أي: الزموا ذلك عليكموه. وقال بعضهم: بدل من قوله: {ملة إبراهيم} وقال سيبويه: هو مصدر مؤكد انتصب عن قوله: {آمنا بالله}.
{قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون (139) أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون (140) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون (141) }

يقول الله تعالى مرشدا نبيه صلوات الله وسلامه عليه إلى درء مجادلة المشركين: {قل أتحاجوننا في الله} أي: أتناظروننا في توحيد الله والإخلاص له والانقياد، واتباع أوامره وترك زواجره {وهو ربنا وربكم} المتصرف فينا وفيكم، المستحق لإخلاص الإلهية له وحده لا شريك له! {ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم} أي: نحن برآء منكم، وأنتم برآء منا، ونحن له مخلصون، أي في العبادة والتوجه.
ثم أنكر تعالى عليهم، في دعواهم أن إبراهيم ومن ذكر بعده من الأنبياء والأسباط كانوا على ملتهم، إما اليهودية وإما النصرانية فقال: {قل أأنتم أعلم أم الله} يعني: بل الله أعلم، وقد أخبر أنهم لم يكونوا هودا ولا نصارى.
وقوله: {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} قال الحسن البصري: كانوا يقرؤون في كتاب الله الذي أتاهم: إن الدين عند الله الإسلام، وإن محمدا رسول الله، وإن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا برآء من اليهودية والنصرانية، فشهد الله بذلك، وأقروا به على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك.
وقوله: {وما الله بغافل عما تعملون} فيه تهديد ووعيد شديد، أي: أن علمه محيط بعملكم، وسيجزيكم عليه.

ثم قال تعالى: {تلك أمة قد خلت} أي: قد مضت {لها ما كسبت ولكم ما كسبتم} أي: لهم أعمالهم ولكم أعمالكم {ولا تسألون عما كانوا يعملون} وليس يغني عنكم انتسابكم إليهم، من غير متابعة منكم لهم، ولا تغتروا بمجرد النسبة إليهم حتى تكونوا مثلهم منقادين لأوامر الله واتباع رسله، الذين بعثوا مبشرين ومنذرين، فإنه من كفر بنبي واحد فقد كفر بسائر الرسل، ولا سيما من كفر بسيد الأنبياء، وخاتم المرسلين ورسول رب العالمين إلى جميع الإنس والجن من سائر المكلفين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله أجمعين.

موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017