الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

تفسير البقرة من الآية 191 إلى الآية 200


تفسير البقرة من الآية 191 إلى الآية 200:
{وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (190) واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين (191) فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم (192) وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين (193) }
عن أبي العالية في قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} قال: هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه حتى نزلت سورة براءة وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حتى قال: هذه منسوخة بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] وفي هذا نظر؛ لأن قوله: {الذين يقاتلونكم} إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، أي: كما يقاتلونكم فقاتلوهم أنتم، كما قال: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: 36] ؛ ولهذا قال في هذه الآية: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} أي: لتكن همتكم منبعثة على قتالهم، كما أن همتهم منبعثة على قتالكم، وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها، قصاصا.
وقد حكي عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أن أول آية نزلت في القتال بعد الهجرة، {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} الآية [الحج: 39] وهو الأشهر وبه ورد الحديث.
وقوله: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} أي: قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا في ذلك، ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، ولا أصحاب الصوامع".
وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وجدت امرأة في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان.
ولما كان الجهاد فيه إزهاق النفوس وقتل الرجال، نبه تعالى على أن ما هم مشتملون عليه من الكفر بالله والشرك به والصد عن سبيله أبلغ وأشد وأعظم وأطم من القتل؛ ولهذا قال: {والفتنة أشد من القتل} قال أبو مالك: أي: ما أنتم مقيمون عليه أكبر من القتل.
وقوله: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} كما جاء في الصحيحين: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، وإنها ساعتي هذه، حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره، ولا يختلى خلاه. فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم".
يعني بذلك -صلوات الله وسلامه عليه -قتاله أهلها يوم فتح مكة.
وقوله: {حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين} يقول تعالى: لا تقاتلوهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدؤوكم بالقتال فيه، فلكم حينئذ قتالهم وقتلهم دفعا.
وقوله: {فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم} أي: فإن تركوا القتال في الحرم، وأنابوا إلى الإسلام والتوبة، فإن الله غفور رحيم يغفر ذنوبهم، ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله، فإنه تعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب منه إليه.
ثم أمر تعالى بقتال الكفار: {حتى لا تكون فتنة} أي: شرك.
{ويكون الدين لله} أي: يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيحين: عن أبي موسى الأشعري، قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". وفي الصحيحين: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" وقوله: {فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} يقول: فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك، وقتال المؤمنين، فكفوا عنهم، فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم، ولا عدوان إلا على الظالمين.
أو يكون تقديره؛ فإن انتهوا فقد تخلصوا من الظلم، وهو الشرك. فلا عدوان عليهم بعد ذلك، والمراد بالعدوان هاهنا المعاقبة والمقاتلة، كقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} وقوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] ، {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126] . ولهذا قال عكرمة وقتادة: الظالم: الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله.
{الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194) }
رُوي عن ابن عباس أنّه قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا في سنة ست من الهجرة، وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت، وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة، وهو شهر حرام، حتى قاضاهم على الدخول من قابل، فدخلها في السنة الآتية، هو ومن كان معه من المسلمين، وأقصه الله منهم، فنزلت في ذلك هذه الآية: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص}.
وقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} أمر بالعدل حتى في المشركين: كما قال: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126] . وقال: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] .
وقوله: {واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين} أمر لهم بطاعة الله وتقواه، وإخبار بأنه تعالى مع الذين اتقوا بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة.
{وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين (195) }
روي عن أسلم أبي عمران: كنا بالقسطنطينية -وعلى أهل مصر عقبة بن عامر؛وعلى أهل الشام رجل، يريد بن فضالة بن عبيد -فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، فصففنا لهم فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم: ثم خرج إلينا فصاح الناس إليه فقالوا: سبحان الله، ألقى بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب: يا أيها الناس، إنكم لتتأولون هذه الآية على غير التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار، وإنا لما أعز الله دينه، وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها. فأنزل الله هذه الآية.

وروي عن زيد بن أسلم في قول الله: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} وذلك أن رجالا كانوا يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بغير نفقة، فإما يقطع بهم، وإما كانوا عيالا فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله، ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة أن يهلك رجال من الجوع أو العطش أو من المشي. وقال لمن بيده فضل: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}.
ومضمون الآية: الأمر بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات، وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم، والإخبار عن ترك فعل ذلك بأنه هلاك ودمار إن لزمه واعتاده. ثم عطف بالأمر بالإحسان، وهو أعلى مقامات الطاعة، فقال: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}.
{وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب (196) }
لما ذكر تعالى أحكام الصيام وعطف بذكر الجهاد، شرع في بيان المناسك، فأمر بإتمام الحج والعمرة، وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما؛ ولهذا قال بعده: {فإن أحصرتم} أي: صددتم عن الوصول إلى البيت ومنعتم من إتمامهما. ولهذا اتفق العلماء على أن الشروع في الحج والعمرة ملزم، سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها.
وقوله: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} ذكروا أن هذه الآية نزلت في سنة ست، أي عام الحديبية، حين حال المشركون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الوصول إلى البيت، وأنزل الله في ذلك سورة الفتح بكمالها، وأنزل لهم رخصة: أن يذبحوا ما معهم من الهدي وكان سبعين بدنة، وأن يتحللوا من إحرامهم، فعند ذلك أمرهم عليه السلام بأن يحلقوا رؤوسهم ويتحللوا. فلم يفعلوا انتظارا للنسخ حتى خرج فحلق رأسه، ففعل الناس وكان منهم من قصر رأسه ولم يحلقه، فلذلك قال صلى الله عليه وسلم: "رحم الله المحلقين". قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ فقال في الثالثة: "والمقصرين".
عن علي ابن أبي طالب أنه كان يقول: {فما استيسر من الهدي} شاة. وقال ابن عباس: الهدي من الأزواج الثمانية: من الإبل والبقر والمعز والضأن.
وقوله: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} معطوف على قوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} وليس معطوفا على قوله: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي}؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق {حتى يبلغ الهدي محله}.
وقوله: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}
روى البخاري عن عبد الرحمن بن الأصبهاني: سمعت عبد الله بن معقل، قال: فعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد -يعني مسجد الكوفة -فسألته عن {ففدية من صيام} فقال: حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي. فقال: "ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا! أما تجد شاة؟ " قلت: لا. قال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك". فنزلت في خاصة، وهي لكم عامة.
وهو مذهب الأئمة الأربعة وعامة العلماء أنه يخير في هذا المقام، إن شاء صام، وإن شاء تصدق بفرق، وهو ثلاثة آصع، لكل مسكين نصف صاع، وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء، أي ذلك فعل أجزأه. ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن عجرة بذلك، أرشده إلى الأفضل، فالأفضل فقال: انسك شاة، أو أطعم ستة مساكين أو صم ثلاثة أيام. فكل حسن في مقامه. ولله الحمد والمنة.
وقوله: {فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} أي: إذا تمكنتم من أداء المناسك، فمن كان منكم متمتعا بالعمرة إلى الحج، وهو يشمل من أحرم بهما، أو أحرم بالعمرة أولا فلما فرغ منها أحرم بالحج، فليذبح ما قدر عليه من الهدي، وأقله شاة.
وقوله: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة} يقول تعالى: فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج، أي: في أيام المناسك. قال العلماء: والأولى أن يصومها قبل يوم عرفة في العشر.
روي عن ابن عباس: إذا لم يجد هديا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإذا كان يوم عرفة الثالث فقد تم صومه وسبعة إذا رجع إلى أهله.
وقوله: {وسبعة إذا رجعتم} فيه قولان:
أحدهما: إذا رجعتم في الطريق. ولهذا قال مجاهد: هي رخصة إذا شاء صامها في الطريق. والقول الثاني: إذا رجعتم إلى أوطانكم.
وقوله: {تلك عشرة كاملة} قيل: تأكيد، كما تقول العرب: رأيت بعيني، وسمعت بأذني وكتبت بيدي. وقال الله تعالى: {ولا طائر يطير بجناحيه} [الأنعام: 38] وقال: {ولا تخطه بيمينك} [العنكبوت: 48] ، وقال: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة} [الأعراف: 142] .
وقيل: معنى {كاملة} الأمر بإكمالها وإتمامها، اختاره ابن جرير. وقيل: معنى {كاملة} أي: مجزئة عن الهدي.
وقوله: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: المتعة للناس -لا لأهل مكة -من لم يكن أهله من الحرم. وذلك قول الله عز وجل: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس.
واختار ابن جرير في ذلك مذهب الشافعي أنهم أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة لا تقصر منها الصلاة؛ لأن من كان كذلك يعد حاضرا لا مسافرا، والله أعلم.
وقوله: {واتقوا الله} أي: فيما أمركم وما نهاكم {واعلموا أن الله شديد العقاب} أي: لمن خالف أمره، وارتكب ما عنه زجره.
{الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب (197) }
اختلف أهل العربية في قوله: {الحج أشهر معلومات} فقال بعضهم: تقديره الحج حج أشهر معلومات، فعلى هذا التقدير يكون الإحرام بالحج فيها أكمل من الإحرام به فيما عداها، وإن كان ذاك صحيحا.
والقول بأنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره مروي عن ابن عباس، وجابر، وبه يقول عطاء، وطاوس، ومجاهد، رحمهم الله، والدليل عليه قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} وظاهره التقدير الآخر الذي ذهب إليه النحاة، وهو أن: وقت الحج أشهر معلومات، فخصصه بها من بين سائر شهور السنة، فدل على أنه لا يصح قبلها، كميقات الصلاة.
وقوله: {أشهر معلومات} قال البخاري: قال ابن عمر: هي شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
واختار هذا القول ابن جرير، قال: وصح إطلاق الجمع على شهرين وبعض الثالث للتغليب.
وقوله: {فمن فرض فيهن الحج} أي: أوجب بإحرامه حجا. فيه دلالة على لزوم الإحرام بالحج والمضي فيه. قال ابن جرير: أجمعوا على أن المراد من الفرض هاهنا الإيجاب والإلزام.
وقوله: {فلا رفث} أي: من أحرم بالحج أو العمرة، فليجتنب الرفث، وهو الجماع، كما قال تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] ، وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك، وكذا التكلم به بحضرة النساء.
وقوله: {ولا فسوق} قال مقسم وغير واحد، عن ابن عباس: هي المعاصي.
وقوله: {ولا جدال في الحج} فيه قولان:
أحدهما: ولا مجادلة في وقت الحج وفي مناسكه، وقد بينه الله أتم بيان ووضحه أكمل إيضاح، كما قال وكيع، عن العلاء بن عبد الكريم: سمعت مجاهدا يقول: {ولا جدال في الحج} قد بين الله أشهر الحج، فليس فيه جدال بين الناس.
والقول الثاني: أن المراد بالجدال هاهنا: المخاصمة.
وقوله: {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} لما نهاهم عن إتيان القبيح قولا وفعلا حثهم على فعل الجميل، وأخبرهم أنه عالم به، وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة.
وقوله: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} قال العوفي، عن ابن عباس: كان أناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة، يقولون: نحج بيت الله ولا يطعمنا.. فقال الله: تزودوا ما يكف وجوهكم عن الناس.
وقوله: {فإن خير الزاد التقوى} لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا أرشدهم إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها، كما قال: {وريشا ولباس التقوى ذلك خير} [الأعراف: 26] . لما ذكر اللباس الحسي نبه مرشدا إلى اللباس المعنوي، وهو الخشوع، والطاعة والتقوى، وذكر أنه خير من هذا، وأنفع.
{ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين (198) }
عن ابن عباس، قال: كانت عكاظ ومجنة، وذو المجاز أسواق الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} في مواسم الحج.
إنما صرف "عرفات" وإن كان علما على مؤنث؛ لأنه في الأصل جمع كمسلمات ومؤمنات، سمي به بقعة معينة، فروعي فيه الأصل، فصرف. اختاره ابن جرير.
وعرفة: موضع الموقف في الحج، وهي عمدة أفعال الحج.
 عن سفيان بن عيينة قوله: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام} وهي الصلاتين جميعا.
وقال أبو إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون: سألت عبد الله بن عمرو عن المشعر الحرام، فسكت حتى إذا هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة قال: أين السائل عن المشعر الحرام؟ هذا المشعر الحرام.
والمشاعر هي المعالم الظاهرة، وإنما سميت المزدلفة المشعر الحرام؛ لأنها داخل الحرم.
وقوله: {واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين} تنبيه لهم على ما أنعم به عليهم، من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحج، على ما كان عليه إبراهيم الخليل، عليه السلام؛ ولهذا قال: {وإن كنتم من قبله لمن الضالين} قيل: من قبل هذا الهدي، وقبل القرآن، وقبل الرسول، والكل متقارب، ومتلازم، وصحيح.
{ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (199) }
"ثم" هاهنا لعطف خبر على خبر وترتيبه عليه، كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة، ليذكر الله عند المشعر الحرام، وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات، كما كان جمهور الناس يصنعون، يقفون بها إلا قريشا، فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم، فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحل ، ويقولون: نحن أهل الله في بلدته، وقطان بيته.

وقوله: {واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} كثيرا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات؛ ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر ثلاثا.

موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017