الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

تفسير البقرة من الآية 201 إلى الآية 210


تفسير البقرة من الآية 201 إلى الآية 210:
{ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (201) أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202)}
قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف، فيقولون: اللهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن. لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا، فأنزل الله فيهم: {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق}وكان يجيء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} فأنزل الله: {أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب} ولهذا مدح من يسأله للدنيا والأخرى، فقال: {ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي، من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا. وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا، من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام.
{واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون (203) }
قال ابن عباس: "الأيام المعدودات" أيام التشريق، و"الأيام المعلومات" أيام العشر. وقال عكرمة: {واذكروا الله في أيام معدودات} يعني: التكبير أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات: الله أكبر، الله أكبر.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله".
ويتعلق بقوله: {واذكروا الله في أيام معدودات} ذكر الله على الأضاحي، ويتعلق به أيضا الذكر المؤقت خلف الصلوات، والمطلق في سائر الأحوال. وفي وقته أقوال للعلماء، وأشهرها الذي عليه العمل أنه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق.
وقال ابن عباس: الأيام المعدودات: أيام التشريق، أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده.
وعليه دل ظاهر الآية الكريمة، حيث قال: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} فدل على ثلاثة بعد النحر.
ويتعلق بذلك أيضا التكبير وذكر الله عند رمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق. وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: "إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله عز وجل" .
ولما ذكر الله تعالى النفر الأول والثاني، وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والمواقف، قال: {واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون} أي: تجتمعون يوم القيامة.
{ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام (204) وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (205) وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206) ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد (207) }
قال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك. وعن ابن عباس: أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم، فأنزل الله في ذم المنافقين ومدح خبيب وأصحابه: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله}
وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم. وهذا قول قتادة، ومجاهد، والربيع ابن أنس، وغير واحد، وهو الصحيح.
وأما قوله: {ويشهد الله على ما في قلبه}معناه: أنه يظهر للناس الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق، كقوله تعالى: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله} الآية [النساء: 108].
وقيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف وأشهد الله لهم: أن الذي في قلبه موافق للسانه. وهذا المعنى صحيح.
وقوله: {وهو ألد الخصام} الألد في اللغة: هو الأعوج، {وتنذر به قوما لدا} [مريم:97] أي: عوجا. وهكذا المنافق في حال خصومته، يكذب، ويزور عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".
وروى البخاري عن عائشة ترفعه قال: "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم".
وقوله: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} أي: هو أعوج المقال، سيئ الفعال، فذلك قوله، وهذا فعله: كلامه كذب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة.
والسعي هاهنا هو: القصد. كما قال إخبارا عن فرعون: {ثم أدبر يسعى* فحشر فنادى* فقال أنا ربكم الأعلى* فأخذه الله نكال الآخرة والأولى* إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} [النازعات: 22-26]
فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث، وهو: محل نماء الزروع والثمار والنسل، وهو: نتاج الحيوانات الذين لا قوام للناس إلا بهما.
وقوله: {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} أي: إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق -امتنع وأبى، وأخذته الحمية والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير} [الحج: 72] ، ولهذا قال في هذه الآية: {فحسبه جهنم ولبئس المهاد} أي: هي كافيته عقوبة في ذلك.
وقوله: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذكر صفات المؤمنين الحميدة، فقال: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله}
قال ابن عباس، وأنس، وسعيد بن المسيب، وأبو عثمان النهدي، وعكرمة، وجماعة: نزلت في صهيب بن سنان الرومي، وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر، فعل. فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة. فقالوا: ربح البيع. فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية. ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "ربح البيع صهيب، ربح البيع صهيب".
وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله، كما قال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 111] .
{يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (208)فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم(209)}
يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله: أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك.
روي عن ابن عباس في قوله: {ادخلوا في السلم} يعني: الإسلام.
وقوله: {كافة} قال ابن عباس: جميعا، وقال مجاهد: أي اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر.
وروي عن ابن عباس: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة} يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمر التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم، فقال الله: {ادخلوا في السلم كافة} يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد صلى الله عليه وسلم ولا تدعوا منها شيئا وحسبكم بالإيمان بالتوراة وما فيها.
وقوله: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} أي: اعملوا الطاعات، واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان فـ {إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [البقرة: 169]، و {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 6]؛ ولهذا قال: {إنه لكم عدو مبين} قال مطرف: أغش عباد الله لعبيد الله الشيطان.
وقوله: {فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات} أي: عدلتم عن الحق بعد ما قامت عليكم الحجج، فاعلموا أن الله عزيز أي في انتقامه، لا يفوته هارب، ولا يغلبه غالب. حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه.
{هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور (210) }
يقول تعالى مهددا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} يعني: يوم القيامة، لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ولهذا قال: {وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور} كما قال: {كلا إذا دكت الأرض دكا دكا* وجاء ربك والملك صفا صفا* وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى} [الفجر: 21 -23] ، وقال: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك} الآية [الأنعام: 158] .
[قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى: "معنى: يَنْظُرُونَ هنا: ينتظرون، لأنها لم تتعد بإلى، فلو تعدت بإلى لكان معناها النظر بالعين غالباً، أما إذا تعدت بنفسها، فهي بمعنى: ينتظرون. أي: ما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وذلك يوم القيامة: يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ ـ وفِي: هنا بمعنى مع، فهي للمصاحبة، وليس للظرفية قطعاً، لأنها لو كانت للظرفية، لكانت الظلل محيطة بالله، ومعلوم أن الله تعالى واسع عليم، ولا يحيط به شيء من مخلوقاته، فـ: فِي ظُلَلٍ ـ أي: مع الظلل، فإن الله عند نزوله جل وعلا للفصل بين عباده: تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ ـ غمام أبيض، ظلل عظيمة، لمجيء الله تبارك وتعالى".
وقال السعدي رحمه الله: "هذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، المثبتين للصفات الاختيارية، كالاستواء، والنزول، والمجيء، ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى، عن نفسه، أو أخبر بها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، فيثبتونها على وجه يليق بجلال الله وعظمته، من غير تشبيه ولا تحريف، خلافا للمعطلة على اختلاف أنواعهم"].

موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017