الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

تفسير البقرة من الآية 211 إلى الآية 220


تفسير البقرة من الآية 211  إلى الآية 220:
{سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب (211) زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب (212) }
يقول تعالى مخبرا عن بني إسرائيل: كم قد شاهدوا مع موسى {من آية بينة} أي: حجة قاطعة على صدقه فيما جاءهم به، من الآيات الدالات على وجود الفاعل المختار، وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه، ومع هذا أعرض كثير منهم عنها، وبدلوا نعمة الله كفرا أي: استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها، والإعراض عنها. {ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب} كما قال إخبارا عن كفار قريش: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار} [إبراهيم: 28، 29].
ثم أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين الذين رضوا بها واطمأنوا إليها، وسخروا من الذين آمنوا الذين أعرضوا عنها، وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم، وبذلوا ابتغاء وجه الله؛ فلهذا فازوا بالمقام الأسعد والحظ الأوفر يوم معادهم، فكانوا فوق أولئك، فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين، وخلد أولئك في الدركات في أسفل السافلين؛ ولهذا قال تعالى: {والله يرزق من يشاء بغير حساب} أي: يرزق من يشاء من خلقه، ويعطيه عطاء كثيرا جزيلا بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة  كما جاء في الحديث: "ابن آدم، أنفق أنفق عليك"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا". وقال تعالى: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} [سبأ: 39] ، وفي الصحيح أن ملكين ينزلان من السماء صبيحة كل يوم، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا. ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا.
{كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (213) }
روي عن ابن عباس أنّه قال: "كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق. فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين".
وقول ابن عباس أصح سندا ومعنى؛ لأن الناس كانوا على ملة آدم، عليه السلام، حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحا، عليه السلام، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.
ولهذا قال: {وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم}.
أي: من بعد ما قامت عليهم الحجج وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض، {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}.
قال الربيع بن أنس في قوله: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} أي: عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله عز وجل وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف، واعتزلوا الاختلاف، وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة شهودا على قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وآل فرعون، أن رسلهم قد بلغوهم، وأنهم قد كذبوا رسلهم.
وقوله: {بإذنه} أي: بعلمه، بما هداهم له.{والله يهدي من يشاء} أي: من خلقه {إلى صراط مستقيم} أي: وله الحكم والحجة البالغة. وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصلي يقول: "اللهم، رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". وفي الدعاء المأثور: اللهم، أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا ووفقنا لاجتنابه، ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماما.
{أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب (214) }
يقول تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة} قبل أن تبتلوا وتختبروا وتمتحنوا، كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم؛ ولهذا قال: {ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء} وهي: الأمراض؛ والأسقام، والآلام، والمصائب والنوائب.
{وزلزلوا} خوفا من الأعداء زلزالا شديدا، وامتحنوا امتحانا عظيما، كما جاء في الحديث الصحيح عن خباب بن الأرت قال: قلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فقال: "إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه، لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، لا يصرفه ذلك عن دينه". ثم قال: "والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون".
وقوله: {مثل الذين خلوا من قبلكم} أي: سنتهم.
وقوله: {وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله} أي: يستفتحون على أعدائهم، ويدعون بقرب الفرج والمخرج، عند ضيق الحال والشدة. قال الله تعالى: {ألا إن نصر الله قريب} كما قال: {فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا} [الشرح: 5، 6] .
وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها؛ ولهذا قال تعالى: {ألا إن نصر الله قريب}.
 {يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم (215) }
معنى الآية: يسألونك كيف ينفقون؟ قاله ابن عباس ومجاهد، فبين لهم تعالى ذلك، فقال: {قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل} أي: اصرفوها في هذه الوجوه. كما جاء في الحديث: "أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك".
ثم قال تعالى: {وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم} أي: مهما صدر منكم من فعل معروف، فإن الله يعلمه، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء؛ فإنه لا يظلم أحدا مثقال ذرة.
{كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) }
هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين: أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام.
وقال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد، غزا أو قعد؛ فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر، وإن لم يحتج إليه قعد.
قلت: ولهذا ثبت في الصحيح"من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بغزو مات ميتة جاهلية". وقال عليه السلام يوم الفتح: "لا هجرة، ولكن جهاد ونية، إذا استنفرتم فانفروا".
وقوله: {وهو كره لكم} أي: شديد عليكم ومشقة. وهو كذلك، فإنه إما أن يقتل أو يجرح مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء.
ثم قال تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} أي: لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء، والاستيلاء على بلادهم، وأموالهم، وذراريهم، وأولادهم.
{وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم} وهذا عام في الأمور كلها، قد يحب المرء شيئا، وليس له فيه خيرة ولا مصلحة. ومن ذلك القعود عن القتال، قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم.
ثم قال تعالى: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} أي: هو أعلم بعواقب الأمور منكم، وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم؛ فاستجيبوا له، وانقادوا لأمره، لعلكم ترشدون.
{يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (217) إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم (218) }
مفاد كل ما ورد في سبب نزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطا، وبعث عليهم عبد الله بن جحش، وكتب له كتابا، وأمره ألا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: لا تكرهن أحدا على السير معك من أصحابك. فلما قرأ الكتاب استرجع، وقال: سمعا وطاعة لله ولرسوله. فخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان، وبقي بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى. فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام!
فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل} أي: إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم، {والفتنة أكبر من القتل} أي: قد كانوا يفتنون المسلم في دينه، حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه فذلك أكبر عند الله من القتل.
{ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} أي: ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين.
قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن، طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله، أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين المهاجرين ؟ فأنزل الله عز وجل: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء.
{يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (219) }
قوله: {يسألونك عن الخمر والميسر} أما الخمر فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: إنه كل ما خامر العقل. كما سيأتي بيانه في سورة المائدة، وكذا الميسر، وهو القمار.
وقوله: {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية، و ببيعها والانتفاع بثمنها. وبما كان يقمشه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله. ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة، لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا قال: {وإثمهما أكبر من نفعهما} ؛ ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرضة؛ ولهذا قال عمر، رضي الله عنه، لما قرئت عليه: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 90، 91]
وقوله: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو}، ثبت عن ابن عباس: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} قال: ما يفضل عن أهلك.
وأخرج مسلم أيضا عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا"
وقوله: {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون * في الدنيا والآخرة} أي: كما فصل لكم هذه الأحكام وبينها وأوضحها، كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه ووعده، ووعيده، لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة.
وقوله: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم} الآية: قال ابن جرير:
رُوي عن ابن عباس قال: لما نزلت: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الإسراء: 34] و {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} [النساء: 10] انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم} فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم.
فقوله: {قل إصلاح لهم خير} أي: على حدة {وإن تخالطوهم فإخوانكم} أي: وإن خلطتم طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم، فلا بأس عليكم؛ لأنهم إخوانكم في الدين؛ ولهذا قال: {والله يعلم المفسد من المصلح} أي: يعلم من قصده ونيته الإفساد أو الإصلاح.

وقوله: {ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم} أي: ولو شاء لضيق عليكم وأحرجكم ولكنه وسع عليكم، وخفف عنكم، وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن، كما قال: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: 152] ،، بل قد جوز الأكل منه للفقير بالمعروف، إما بشرط ضمان البدل لمن أيسر، أو مجانا كما سيأتي بيانه في سورة النساء، إن شاء الله، وبه الثقة.

موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017