الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

تفسير البقرة من الآية 221 إلى الآية 230



تفسير البقرة من الآية  221 إلى الآية 230:
{ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون (221)}
هذا تحريم من الله عز وجل على المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان. ثم إن كان عمومها مرادا، وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية، فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: {والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان} [المائدة: 5].
وقوله: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم} قال السدي: نزلت في عبد الله بن رواحة، كانت له أمة سوداء، فغضب عليها فلطمها، ثم فزع، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره خبرها. فقال له: "ما هي؟ " قال: تصوم، وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: "يا أبا عبد الله، هذه مؤمنة". فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها. ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، وقالوا: نكح أمة. وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم} {ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم}.
وقوله: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} أي: لا تزوجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات، كما قال تعالى: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} [الممتحنة: 10] .
ثم قال تعالى: {ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} أي: ولرجل مؤمن -ولو كان عبدا حبشيا -خير من مشرك، وإن كان رئيسا سريا {أولئك يدعون إلى النار} أي: معاشرتهم ومخالطتهم تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة {والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه} أي: بشرعه وما أمر به وما نهى عنه {ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون}
{ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (222) نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين (223)}
عن أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن} حتى فرغ من الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح". فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه! فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا يا رسول الله، إن اليهود قالت كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما.
 فقوله: {فاعتزلوا النساء في المحيض} يعني في الفرج، لقوله: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح"؛ ولهذا ذهب كثير من العلماء أو أكثرهم إلى أنه تجوز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج.
وتحل مضاجعتها ومؤاكلتها بلا خلاف. قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني فأغسل رأسه وأنا حائض، وكان يتكئ في حجري وأنا حائض، فيقرأ القرآن. وفي الصحيح عنها قالت: كنت أتعرق العرق وأنا حائض، فأعطيه النبي صلى الله عليه وسلم، فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه، وأشرب الشراب فأناوله، فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب.
وقوله: {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} فيه ندب وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال. وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء أو تتيمم، إن تعذر ذلك عليها بشرطه، إلا يحيى بن بكير من المالكية وهو أحد شيوخ البخاري، فإنه ذهب إلى إباحة وطء المرأة بمجرد انقطاع دم الحيض.
وقال ابن عباس: {حتى يطهرن} أي: من الدم {فإذا تطهرن} أي: بالماء.
وقوله: {من حيث أمركم الله} قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: يعني الفرج.
وقوله: {نساؤكم حرث لكم} قال ابن عباس: الحرث موضع الولد {فأتوا حرثكم أنى شئتم} أي: كيف شئتم مقبلة ومدبرة في صمام واحد، كما ثبتت بذلك الأحاديث.
قال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن ابن المنكدر قال: سمعت جابرا قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}.
وقوله تعالى: {وقدموا لأنفسكم} أي: من فعل الطاعات، مع امتثال ما نهاكم عنه من ترك المحرمات؛ ولهذا قال: {واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه} أي: فيحاسبكم على أعمالكم جميعا.
{وبشر المؤمنين} أي: المطيعين لله فيما أمرهم، التاركين ما عنه زجرهم.
رُوي عن ابن عباس -: {وقدموا لأنفسكم} قال: يقول: " باسم الله"، التسمية عند الجماع.
وقد ثبت في صحيح البخاري، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدا".
{ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم (224) لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم (225) }
يقول تعالى: لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها، كقوله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} [النور: 22] ، فالاستمرار على اليمين آثم لصاحبها من الخروج منها بالتكفير.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه". (يلج من اللّجاج وهو التّمادي على الأمر وإن تبيّن خطؤه).
رُوي عن ابن عباس في قوله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} قال: لا تجعلن عرضة ليمينك ألا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير.
ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيحين، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني والله -إن شاء الله -لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها" وثبت فيهما أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن سمرة: "يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك".
وقوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} أي: لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية، وهي التي لا يقصدها الحالف، بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا تأكيد.
وثبت أنّ عائشة رضي الله عنها قالت في تفسيرها للغو اليمين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هو كلام الرجل في بيته: كلا والله وبلى والله".
وقوله: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: هو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب. قال مجاهد وغيره: وهي كقوله: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} الآية [المائدة:89]
{والله غفور حليم} أي: غفور لعباده، حليم عليهم.
{للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم (226) وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (227) }
الإيلاء: الحلف، فإذا حلف الرجل ألا يجامع زوجته مدة، فلا يخلو: إما أن يكون أقل من أربعة أشهر، أو أكثر منها، فإن كانت أقل، فله أن ينتظر انقضاء المدة ثم يجامع امرأته، وعليها أن تصبر، وليس لها مطالبته بالفيئة في هذه المدة، وهذا كما ثبت في الصحيحين عن عائشة: أن رسول الله آلى من نسائه شهرا، فنزل لتسع وعشرين، وقال: "الشهر تسع وعشرون".
 فأما إن زادت المدة على أربعة أشهر، فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء أربعة أشهر: إما أن يفيء -أي: يجامع -وإما أن يطلق، فيجبره الحاكم على هذا أو هذا لئلا يضر بها. ولهذا قال تعالى: {للذين يؤلون} أي: يحلفون على ترك الجماع من نسائهم، فيه دلالة.
 {تربص أربعة أشهر} أي: ينتظر الزوج أربعة أشهر من حين الحلف، ثم يوقف ويطالب بالفيئة أو الطلاق. ولهذا قال: {فإن فاءوا} أي: رجعوا إلى ما كانوا عليه، وهو كناية عن الجماع {فإن الله غفور رحيم} أي: لما سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين.
وقوله: {وإن عزموا الطلاق} فيه دلالة على أنه لا يقع الطلاق بمجرد مضي الأربعة أشهر كقول الجمهور.
{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم (228) }
هذا الأمر من الله سبحانه وتعالى للمطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء، بأن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، أي: بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء؛ ثم تتزوج إن شاءت.
وقد اختلف السلف والخلف والأئمة في المراد بالأقراء ما هو؟ على قولين:
أحدهما: أن المراد بها: الأطهار، وقال مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، قال الزهري: فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صدق عروة. وقد جادلها في ذلك ناس فقالوا: إن الله تعالى يقول في كتابه: " ثلاثة قروء " فقالت عائشة: صدقتم، وتدرون ما الأقراء؟ إنما الأقراء: الأطهار.

والقول الثاني: أن المراد بالأقراء: الحيض، فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة، زاد آخرون: وتغتسل منها.
وقال ابن جرير: أصل القرء في كلام العرب: "الوقت لمجيء الشيء المعتاد مجيئه في وقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم". وهذه العبارة تقتضي أن يكون مشتركا بين هذا وهذا.
وقوله: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} أي: من حبل أو حيض.
وقوله: {إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر} تهديد لهن على قول خلاف الحق. ودل هذا على أن المرجع في هذا إليهن؛ لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهن، وتتعذر إقامة البينة غالبا على ذلك، فرد الأمر إليهن، وتوعدن فيه، لئلا تخبر بغير الحق إما استعجالا منها لانقضاء العدة، أو رغبة منها في تطويلها، لما لها في ذلك من المقاصد. فأمرت أن تخبر بالحق في ذلك من غير زيادة ولا نقصان.
وقوله: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا} أي: وزوجها الذي طلقها أحق بردتها ما دامت في عدتها، إذا كان مراده بردتها الإصلاح والخير. وهذا في الرجعيات.
وقوله: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} أي: ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف، كما ثبت في صحيح مسلم، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته، في حجة الوداع: "فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف".
عن ابن عباس قال: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة؛ لأن الله يقول: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف}.
وقوله: {وللرجال عليهن درجة} أي: في الفضيلة في الخلق، والمنزلة، وطاعة الأمر، والإنفاق، والقيام بالمصالح، والفضل في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} [النساء:34] .
وقوله: {والله عزيز حكيم} أي: عزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، حكيم في أمره وشرعه وقدره.
{الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون (229) فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون (230) }
هذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته، وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصرهم الله عز وجل إلى ثلاث طلقات، وأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}.
وروي عن ابن عباس: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} الآية: وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك فقال: {الطلاق مرتان} الآية.
وروي عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رجلا قال لامرأته: لا أطلقك أبدا ولا آويك أبدا. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك، حتى إذا دنا أجلك راجعتك. فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك فأنزل الله عز وجل: {الطلاق مرتان}.
وقوله: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} أي: إذا طلقتها واحدة أو اثنتين، فأنت مخير فيها ما دامت عدتها باقية، بين أن تردها إليك ناويا الإصلاح بها والإحسان إليها، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها، فتبين منك، وتطلق سراحها محسنا إليها، لا تظلمها من حقها شيئا، ولاتضار بها.
وقوله: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} أي: لايحل لكم أن تضاجروهن وتضيقوا عليهن، ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه، كما قال تعالى: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [النساء:19] فأما إن وهبته المرأة شيئا عن طيب نفس منها. فقد قال تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء:4] وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها، ولا عليه في قبول ذلك منها؛ ولهذا قال تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} الآية.
فأما إذا لم يكن لها عذر وسألت الافتداء منه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة".
جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة". وقد ذرت بعض الروايات أنها كرهت دمامته (أي قبح وجهه وشكله).
وقوله: {تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} أي: هذه الشرائع التي شرعها لكم هي حدوده، فلا تتجاوزوها. كما ثبت في الحديث الصحيح: "إن الله حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم محارم فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان، فلا تسألوا عنها".
وقوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} أي: أنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين، فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجا غيره، أي: حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح، فلو وطئها واطئ في غير نكاح، ولو في ملك اليمين لم تحل للأول؛ لأنه ليس بزوج، وهكذا لو تزوجت، ولكن لم يدخل بها الزوج لم تحل للأول.
وجاء في صحيح مسلم عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن المرأة يتزوجها الرجل فيطلقها، فتتزوج رجلا فيطلقها قبل أن يدخل بها: أتحل لزوجها الأول؟ قال: "لا حتى يذوق عسيلتها".
وقوله: {فإن طلقها} أي: الزوج الثاني بعد الدخول بها {فلا جناح عليهما أن يتراجعا} أي: المرأة والزوج الأول {إن ظنا أن يقيما حدود الله} أي: يتعاشرا بالمعروف.
{وتلك حدود الله} أي: شرائعه وأحكامه {يبينها} أي: يوضحها {لقوم يعلمون}.




موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017