الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

تفسير البقرة من الآية 261 إلى الآية 270


تفسير البقرة من الآية 261 إلى الآية 270:
{مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (261) }
هذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فقال: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} قال سعيد بن جبير: في طاعة الله. وقال مكحول: يعني به: الإنفاق في الجهاد، من رباط الخيل وإعداد السلاح وغير ذلك، وروي عن ابن عباس: الجهاد والحج، يضعف الدرهم فيهما إلى سبعمائة ضعف؛ ولهذا قال الله تعالى: {كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة}
وهذا المثل أبلغ في النفوس، من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله عز وجل، لأصحابها، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة.
وقوله هاهنا: {والله يضاعف لمن يشاء} أي: بحسب إخلاصه في عمله {والله واسع عليم} أي: فضله واسع كثير أكثر من خلقه، عليم بمن يستحق ومن لا يستحق.
{الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (262) قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم (263) يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين (264) }
يمدح تعالى الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات منا على من أعطوه، فلا يمنون على أحد، ولا يمنون به لا بقول ولا فعل.
وقوله: {ولا أذى} أي: لا يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروها يحبطون به ما سلف من الإحسان. ثم وعدهم تعالى الجزاء الجزيل على ذلك، فقال: {لهم أجرهم عند ربهم} أي: ثوابهم على الله، لا على أحد سواه {ولا خوف عليهم} أي: فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة {ولا هم يحزنون} أي: على ما خلفوه من الأولاد وما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها لا يأسفون عليها؛ لأنهم قد صاروا إلى ما هو خير لهم من ذلك.
ثم قال تعالى: {قول معروف} أي: من كلمة طيبة ودعاء لمسلم {ومغفرة} أي: غفر عن ظلم قولي أو فعلي {خير من صدقة يتبعها أذى}.
{حليم} أي: يحلم ويغفر ويصفح ويتجاوز عنهم.
وقد وردت الأحاديث بالنهي عن المن في الصدقة، ففي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب"
ثم قال تعالى: {كالذي ينفق ماله رئاء الناس} أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله وإنما قصده مدح الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة، ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه؛ ولهذا قال: {ولا يؤمن بالله واليوم الآخر}
ثم ضرب تعالى مثل ذلك المرائي بإنفاقه -قال الضحاك: والذي يتبع نفقته منا أو أذى -فقال: {فمثله كمثل صفوان} وهو جمع صفوانة، ومنهم من يقول: الصفوان يستعمل مفردا أيضا، وهو الصفا، وهو الصخر الأملس {عليه تراب فأصابه وابل} وهو المطر الشديد {فتركه صلدا} أي: فترك الوابل ذلك الصفوان صلدا، أي: أملس يابسا، أي: لا شيء عليه من ذلك التراب، بل قد ذهب كله، أي: وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند الله وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس كالتراب؛ ولهذا قال: {لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين}.
{ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير (265) }
وهذا مثل المؤمنين المنفقين {أموالهم ابتغاء مرضاة الله} عنهم في ذلك {وتثبيتا من أنفسهم} أي: وهم متحققون مثبتون أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء، ونظير هذا في المعنى، قوله عليه السلام في الحديث المتفق على صحته: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا. . . " أي: يؤمن أن الله شرعه، ويحتسب عند الله ثوابه.
وقوله: {كمثل جنة بربوة} أي: كمثل بستان بربوة. وهو عند الجمهور: المكان المرتفع المستوي من الأرض.
وقوله: {أصابها وابل} وهو المطر الشديد، كما تقدم، {فآتت أكلها} أي: ثمرتها {ضعفين} أي: بالنسبة إلى غيرها من الجنان. {فإن لم يصبها وابل فطل} قال الضحاك: هو الرذاذ، وهو اللين من المطر. أي: هذه الجنة بهذه الربوة لا تمحل أبدا؛ لأنها إن لم يصبها وابل فطل، وأيا ما كان فهو كفايتها، وكذلك عمل المؤمن لا يبور أبدا، بل يتقبله الله ويكثره وينميه، كل عامل بحسبه؛ ولهذا قال: {والله بما تعملون بصير} أي: لا يخفى عليه من أعمال عباده شيء.
{أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (266) }
ذكر البخاري عند تفسير هذه الآية أنّ عمر بن الخطاب قال يوما لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فيمن ترون هذه الآية نزلت: {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب} ؟ قالوا: الله أعلم. فغضب عمر فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. فقال عمر: يا ابن أخي، قل ولا تحقر نفسك. فقال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل. قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل. قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله. ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله.
وفي هذا الحديث كفاية في تفسير هذه الآية، وتبيين ما فيها من المثل بعمل من أحسن العمل أولا ثم بعد ذلك انعكس سيره، فبدل الحسنات بالسيئات، عياذا بالله من ذلك، فأبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدم من الصالح واحتاج إلى شيء من الأول في أضيق الأحوال، فلم يحصل له منه شيء، وخانه أحوج ما كان إليه، ولهذا قال تعالى: {وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار} وهو الريح الشديد{فيه نار فاحترقت} أي: أحرق ثمارها وأباد أشجارها، فأي حال يكون حاله.
ولهذا قال تعالى: {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون} أي: تعتبرون وتفهمون الأمثال والمعاني، وتنزلونها على المراد منها، كما قال تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت:43] .
{يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد (267) الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم (268) يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب (269) }
قال ابن عباس: أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيه -وهو خبيثه -فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، ولهذا قال: {ولا تيمموا} أي: تقصدوا {الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه} أي: لو أعطيتموه ما أخذتموه، إلا أن تتغاضوا فيه، فالله أغنى عنه منكم، فلا تجعلوا لله ما تكرهون.
وقيل: معناه: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} أي: لا تعدلوا عن المال الحلال، وتقصدوا إلى الحرام، فتجعلوا نفقتكم منه.
روي عن البراء: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} قال: نزلت فينا، كنا أصحاب نخل، وكان الرجل يأتي من نخله بقدر كثرته وقلته، فيأتي الرجل بالقنو فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع جاء فضربه بعصاه، فيسقط منه البسر والتمر، فيأكل، وكان أناس ممن لا يرغبون في الخير يأتي بالقنو فيه الحشف والشيص، ويأتي بالقنو قد انكسر فيعلقه، فنزلت: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} قال: لو أن أحدكم أهدي له مثل ما أعطى ما أخذه إلا على إغماض وحياء، فكنا بعد ذلك يجيء الرجل منا بصالح ما عنده.
{واعلموا أن الله غني حميد} أي: وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها فهو غني عنها، وما ذاك إلا ليساوي الغني الفقير، كقوله: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} [الحج: 37]
ومعنى قوله تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر} أي: يخوفكم الفقر، لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقوه في مرضاة الله، {ويأمركم بالفحشاء} أي: مع نهيه إياكم عن الإنفاق خشية الإملاق، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخلاق، قال الله تعالى: {والله يعدكم مغفرة منه} أي: في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء {وفضلا} أي: في مقابلة ما خوفكم الشيطان من الفقر {والله واسع عليم}.
وقوله: {يؤتي الحكمة من يشاء} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: يعني بالحكمة: الإصابة في القول.
وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: {يؤتي الحكمة من يشاء} ليست بالنبوة، ولكنه العلم والفقه والقرآن.
وقال أبو العالية: الحكمة خشية الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة.
وقال في رواية عنه: الحكمة: الكتاب والفهم.
والصحيح أن الحكمة -كما قاله الجمهور -لا تختص بالنبوة، بل هي أعم منها، وأعلاها النبوة، والرسالة أخص، ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع.
عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها".
وقوله: {وما يذكر إلا أولو الألباب} أي: وما ينتفع بالموعظة والتذكار إلا من له لب وعقل يعي به الخطاب ومعنى الكلام.
{وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار (270)}
يخبر تعالى بأنه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين لذلك ابتغاء وجهه ورجاء موعوده. وتوعد من لا يعمل بطاعته، بل خالف أمره وكذب خبره وعبد معه غيره، فقال: {وما للظالمين من أنصار} أي: يوم القيامة ينقذونهم  من عذاب الله ونقمته.


موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017