الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

تفسير البقرة من الآية 271 إلى الآية 281


تفسير البقرة من الآية 271 إلى الآية 280:
{إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير (271) }
وقوله: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي} أي: إن أظهرتموها فنعم شيء هي.
وقوله: {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها؛ لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة، من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية.
والأصل أن الإسرار أفضل، لهذه الآية، ولما ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه".
وفي الحديث المروي: "صدقة السر تطفئ غضب الرب، عز وجل" .
وقوله: {ويكفر عنكم من سيئاتكم} أي: بدل الصدقات، ولا سيما إذا كانت سرا يحصل لكم الخير في رفع الدرجات ويكفر عنكم السيئات.
وقوله {والله بما تعملون خبير} أي: لا يخفى عليه من ذلك شيء، وسيجزيكم عليه سبحانه وبحمده.
{ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (272) للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم (273) الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (274) }
روي عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يأمر بألا يتصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية: {ليس عليك هداهم} إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين.
وقوله: {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} كقوله {من عمل صالحا فلنفسه} [فصلت: 46، الجاثية: 15] ونظائرها في القرآن كثيرة.
وقال عطاء الخراساني: يعني إذا أعطيت لوجه الله، فلا عليك ما كان عمله وهذا معنى حسن، وحاصله أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله فقد وقع أجره على الله، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب: ألبر أو فاجر أو مستحق أو غيره، هو مثاب على قصده، ومستند هذا تمام الآية: {وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} والحديث المخرج في الصحيحين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق على زانية! فقال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني! فقال: اللهم لك الحمد على غني، لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق! فقال: اللهم لك الحمد على زانية، وعلى غني، وعلى سارق، فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت؛ وأما الزانية فلعلها أن تستعف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته".
وقوله: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} يعني: المهاجرين الذين قد انقطعوا إلى الله وإلى رسوله، وسكنوا المدينة وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم و{لا يستطيعون ضربا في الأرض} يعني: سفرا للتسبب في طلب المعاش. والضرب في الأرض: هو السفر. وقوله: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} أي: الجاهل بأمرهم وحالهم يحسبهم أغنياء، من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم. وفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئا".
وقوله: {تعرفهم بسيماهم} أي: بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم.
قوله: {لا يسألون الناس إلحافا} أي: لا يلحون في المسألة ويكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن السؤال، فقد ألحف في المسألة.
روي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سأل وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا -أو كدوحا -في وجهه". قالوا: يا رسول الله، وما غناه؟ قال: "خمسون درهما، أو حسابها من الذهب". [ الدرهم يعادل تقريبا 3 جرامات من الفضة]
قوله: {وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} أي: لا يخفى عليه شيء منه، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه يوم القيامة، أحوج ما يكونون إليه.
وقوله: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} هذا مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله، وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليل أو نهار، والأحوال من سر وجهار، حتى إن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضا، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسعد بن أبي وقاص -حين عاده مريضا عام الفتح، وفي رواية عام حجة الوداع-: "وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى ما تجعل في في امرأتك".
وقوله: {فلهم أجرهم عند ربهم} أي: يوم القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطاعات {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} تقدم تفسيره.
{الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (275) }
لما ذكر تعالى الأبرار المؤدين النفقات، المخرجين الزكوات، المتفضلين بالبر والصلات لذوي الحاجات والقرابات في جميع الأحوال والآنات -شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم، فقال: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له؛ وذلك أنه يقوم قياما منكرا. وقال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق.
وقد روى البخاري، عن سمرة بن جندب في حديث المنام الطويل: "فأتينا على نهر-حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم -وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح، ما يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع الحجارة عنده فيفغر له فاه فيلقمه حجرا" وذكر في تفسيره: أنه آكل الربا.
وقوله: {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا} أي: إنما جوزوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه، قالوا: {إنما البيع مثل الربا} أي: هو نظيره، فلم حرم هذا وأبيح هذا؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع، أي: هذا مثل هذا، وقد أحل هذا وحرم هذا!
وقوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} يحتمل أن يكون من تمام الكلام ردا عليهم، أي: قالوا: ما قالوه من الاعتراض، مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حكما، وهو الحكيم العليم الذي لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها، وما ينفع عباده فيبيحه لهم، وما يضرهم فينهاهم عنه، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل؛ ولهذا قال: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله} أي: من بلغه نهي الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه. فله ما سلف من المعاملة، لقوله: {عفا الله عما سلف} [المائدة: 95] وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: "وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس" ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية، بل عفا عما سلف، كما قال تعالى: {فله ما سلف وأمره إلى الله}.
قال سعيد بن جبير والسدي: {فله ما سلف} فإنه ما كان أكل من الربا قبل التحريم.
ثم قال تعالى: {ومن عاد} أي: إلى الربا ففعله بعد بلوغ نهي الله له عنه، فقد استوجب العقوبة، وقامت عليه الحجة؛ ولهذا قال: {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.
{يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (276) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (277) }
يخبر الله تعالى أنه يمحق الربا، أي: يذهبه، إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعذبه به في الدنيا ويعاقبه عليه يوم القيامة. قال: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله} [الروم: 39] .
وقال ابن جرير: في قوله: {يمحق الله الربا} وهذا نظير الخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "الربا وإن كثر فإلى قل"، وهذا من باب المعاملة بنقيض المقصود.
وقوله: {ويربي الصدقات} قرئ بضم الياء والتخفيف، من "ربا الشيء يربو" و "أرباه يربيه"، أي: كثره ونماه ينميه. وقرئ: "ويربي" بالضم والتشديد، من التربية، كما قال البخاري: حدثنا عبد الله بن منير، سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، وإن الله ليقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه، حتى يكون مثل الجبل".
وقوله: {والله لا يحب كل كفار أثيم} أي: لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل، ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من التكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل.
ثم قال تعالى مادحا للمؤمنين بربهم، المطيعين أمره، المؤدين شكره، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مخبرا عما أعد لهم من الكرامة، وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنون، فقال: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (279) وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون (280) واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (281) }
يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بتقواه، ناهيا لهم عما يقربهم إلى سخطه ويبعدهم عن رضاه، فقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} أي: خافوه وراقبوه فيما تفعلون {وذروا ما بقي من الربا} أي: اتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رؤوس الأموال، بعد هذا الإنذار {إن كنتم مؤمنين} أي: بما شرع الله لكم من تحليل البيع، وتحريم الربا وغير ذلك.
{فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، لمن استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار، قال ابن جريج: قال ابن عباس: {فأذنوا بحرب} أي: استيقنوا بحرب من الله ورسوله. وثبت عنه أنه قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب. ثم قرأ: {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله}.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} فمن كان مقيما على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه.
ثم قال تعالى: {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون} أي: بأخذ الزيادة{ولا تظلمون} أي: بوضع رؤوس الأموال أيضا، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص  منه.
وقوله: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} : يأمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، فقال: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} أي لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه إذا حل عليه الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي.
ثم يندب إلى الوضع عنه، ويعد على ذلك الخير والثواب الجزيل، فقال: {وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} أي: وأن تتركوا رأس المال بالكلية وتضعوه عن المدين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله، فلييسر على معسر أو ليضع عنه".
ثم قال تعالى يعظ عباده ويذكرهم زوال الدنيا وفناء ما فيها من الأموال وغيرها، وإتيان الآخرة والرجوع إليه تعالى ومحاسبته تعالى خلقه على ما عملوا، ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر، ويحذرهم عقوبته، فقال: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}
وقد روي أن هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن العظيم.


موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017