الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

تفسير سورة آل عمران من الآية 11 إلى الآية 20



تفسير آل عمران من الآية 11 إلى الآية 20:
{كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب (11) }
وقوله تعالى: {كدأب آل فرعون} قال الضحاك، عن ابن عباس: كصنيع آل فرعون. ومنهم من يقول: كسنة آل فرعون، وكفعل آل فرعون وكشبه آل فرعون، والألفاظ متقاربة. والدأب -بالتسكين، والتحريك أيضا كنهر ونهر-: هو الصنع والشأن والحال والأمر والعادة، كما يقال: لا يزال هذا دأبي ودأبك.
والمعنى في الآية: أن الكافرين لا تغني عنهم الأولاد ولا الأموال، بل يهلكون ويعذبون، كما جرى لآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين للرسل فيما جاؤوا به من آيات الله وحججه.
{والله شديد العقاب} أي: شديد الأخذ أليم العذاب.
{قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12) قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (13) }
يقول تعالى: قل يا محمد للكافرين: {ستغلبون} أي: في الدنيا، {وتحشرون} أي: يوم القيامة {إلى جهنم وبئس المهاد} .
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار، عن عاصم بن عمر بن قتادة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب من أهل بدر ما أصاب ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: " يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم الله ما أصاب قريشا". فقالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا؟ فأنزل الله في ذلك من قولهم: {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد} إلى قوله: {لعبرة لأولي الأبصار}.
ولهذا قال تعالى: {قد كان لكم آية} أي: قد كان لكم -أيها اليهود القائلون ما قلتم - {آية} أي: دلالة على أن الله معز دينه، وناصر رسوله، ومظهر كلمته، ومعل أمره {في فئتين} أي: طائفتين {التقتا} أي: للقتال {فئة تقاتل في سبيل الله} وهم المسلمون، {وأخرى كافرة} وهم مشركو قريش يوم بدر.
وقوله: {يرونهم مثليهم رأي العين} قال بعض العلماء -فيما حكاه ابن جرير: يرى المشركون يوم بدر المسلمين مثليهم في العدد رأي أعينهم، أي: جعل الله ذلك فيما رأوه سببا لنصرة الإسلام عليهم.
والقول الثاني: " أن المعنى في قوله: {يرونهم مثليهم رأي العين} أي: ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة مثليهم، أي: ضعفيهم في العدد، ومع هذا نصرهم الله عليهم. وهذا لا إشكال فيه على ما رواه العوفي، عن ابن عباس أن المؤمنين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا والمشركين كانوا ستمائة وستة وعشرين رجلا. وكأن هذا القول مأخوذ من ظاهر هذه الآية، ولكنه خلاف المشهور عند أهل التواريخ والسير وخلاف المعروف عند الجمهور من أن المشركين كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف.
{والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} أي: إن في ذلك لمعتبرا لمن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكم الله وأفعاله، وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
{زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب (14) قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد (15) }
يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد، كما ثبت في الصحيح أنه، عليه السلام، قال ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء". فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد، فهذا مطلوب مرغوب فيه ، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه.
وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة فهو داخل في هذا، وتارة يكون لتكثير النسل، وتكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح، كما ثبت في الحديث: "تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة"
وحب المال -كذلك-تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر على الضعفاء، والتجبر على الفقراء، فهذا مذموم، وتارة يكون للنفقة في القربات وصلة الأرحام والقرابات ووجوه البر والطاعات، فهذا ممدوح محمود عليه شرعا.
وقد اختلف المفسرون في مقدار القنطار على أقوال، وحاصلها: أنه المال الجزيل.
وحب الخيل على ثلاثة أقسام، تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله تعالى، متى احتاجوا إليها غزوا عليها، فهؤلاء يثابون. وتارة تربط فخرا ونواء لأهل الإسلام، فهذه على صاحبها وزر. وتارة للتعفف واقتناء نسلها. ولم ينس حق الله في رقابها، فهذه لصاحبها ستر، وأما {المسومة} فعن ابن عباس، رضي الله عنهما: المسومة الراعية، والمطهمة الحسان [المطهمة أي المكتملة].
وقوله: {والأنعام} يعني: الإبل والبقر والغنم {والحرث} يعني: الأرض المتخذة للغراس والزراعة.
ثم قال تعالى: {ذلك متاع الحياة الدنيا} أي: إنما هذا زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة {والله عنده حسن المآب} أي: حسن المرجع والثواب.
ولهذا قال تعالى: {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم} أي: قل يا محمد للناس: أأخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها، الذي هو زائل لا محالة. ثم أخبر عن ذلك، فقال: {للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار} أي: تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار، من أنواع الأشربة؛ من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
{خالدين فيها} أي: ماكثين فيها أبد الآباد لا يبغون عنها حولا.
{وأزواج مطهرة} أي: من الدنس، والخبث، والأذى، والحيض، والنفاس، وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا.
{ورضوان من الله} أي: يحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم بعده أبدا.
ثم قال تعالى {والله بصير بالعباد} أي: يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء.
{الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار (16) الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار (17) }
يصف تعالى عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل، فقال تعالى: {الذين يقولون ربنا إننا آمنا} أي: بك وبكتابك وبرسولك {فاغفر لنا ذنوبنا} أي بإيماننا بك وبما شرعته لنا فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك ورحمتك {وقنا عذاب النار}
ثم قال: {الصابرين} أي: في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات {والصادقين} فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة {والقانتين} والقنوت: الطاعة والخضوع {والمنفقين} أي: من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، ومواساة ذوي الحاجات {والمستغفرين بالأسحار} دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار. وقد قيل: إن يعقوب، عليه السلام، لما قال لبنيه: {سوف أستغفر لكم ربي} [يوسف:98] أنه أخرهم إلى وقت السحر.وثبت في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ينزل الله تبارك وتعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟".
{شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (18) إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (19) فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد (20) }
شهد تعالى -وكفى به شهيدا، {أنه لا إله إلا هو} أي: المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه، والفقراء إليه، وهو الغني عما سواه.
ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته فقال: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام.
{قائما بالقسط} منصوب على الحال، وهو في جميع الأحوال كذلك.
{لا إله إلا هو} تأكيد لما سبق {العزيز الحكيم} العزيز: الذي لا يرام جنابه عظمة وكبرياء، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
وروي عن الزبير بن العوام أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} "وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب".
وقوله: {إن الدين عند الله الإسلام} إخبار من الله تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم، الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لقي الله بعد بعثته محمدا صلى الله عليه وسلم بدين على غير شريعته، فليس بمتقبل.
ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجة، بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، فقال: {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} أي: بغى بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بغض البعض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقا، ثم قال: {ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب} أي: من جحد بما أنزل الله في كتابه فإن الله سيجازيه على ذلك، ويحاسبه على تكذيبه.
ثم قال تعالى: {فإن حاجوك} أي: جادلوك في التوحيد {فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن} أي: فقل أخلصت عبادتي لله وحده، لا شريك له {ومن اتبعن} على ديني، يقول كمقالتي.
ثم قال تعالى آمرا لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى طريقته ودينه، والدخول في شرعه وما بعثه الله به الكتابيين من الملتين والأميين من المشركين فقال: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ} أي: والله عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وله الحكمة في ذلك، والحجة البالغة؛ ولهذا قال: {والله بصير بالعباد} أي: هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة. وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته.


موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017