الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

تفسير آل عمران من الآية 111 إلى الآية 120



تفسير آل عمران من الآية 111 إلى الآية 120:
{ لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (111) ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112) }
ولما مدح الله تعالى هذه الأمة على هذه الصفات شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم، فقال: {ولو آمن أهل الكتاب} أي: بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم {لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} أي: قليل منهم من يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وأكثرهم على الضلالة والكفر والفسق والعصيان.
ثم قال تعالى مخبرا عباده المؤمنين ومبشرا لهم أن النصر والظفر لهم على أهل الكتاب الكفرة الملحدين، فقال: {لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون} وهكذا وقع، فإنهم يوم خيبر أذلهم الله وأرغم آنافهم وكذلك من قبلهم من يهود المدينة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة كلهم أذلهم الله، وكذلك النصارى بالشام كسرهم الصحابة في غير ما موطن، وسلبوهم ملك الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين، ولا تزال عصابة الإسلام قائمة بالشام حتى ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام وهم كذلك، ويحكم، عليه السلام بشرع محمد عليه أفضل الصلاة والسلام فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام.
ثم قال تعالى: {ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس} أي: ألزمهم الله الذلة والصغار أينما كانوا فلا يأمنون {إلا بحبل من الله} أي: بذمة من الله، وهو عقد الذمة لهم وضرب الجزية عليهم، وإلزامهم أحكام الملة {وحبل من الناس} أي: أمان منهم ولهم، كما في المهادن والمعاهد والأسير إذا أمنه واحد  من المسلمين .
قال ابن عباس: {إلا بحبل من الله وحبل من الناس} أي: بعهد من الله وعهد من الناس.
وقوله: {وباءوا بغضب من الله} أي: ألزموا فالتزموا بغضب من الله، وهم يستحقونه {وضربت عليهم} أي: ألزموها قدرا وشرعا. ولهذا قال: {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق} أي: وإنما حملهم على ذلك الكبر والبغي والحسد، فأعقبهم ذلك الذلة والصغار والمسكنة أبدا، متصلا بذلة الآخرة، ثم قال تعالى: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} أي: إنما حملهم على الكفر بآيات الله وقتل رسل الله وقيضوا لذلك أنهم كانوا يكثرون العصيان لأوامر الله، عز وجل، والغشيان لمعاصي الله، والاعتداء في شرع الله، فعياذا بالله من ذلك، والله المستعان.
{ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (113) يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين (115) }
المشهور عن كثير من المفسرين -كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره، ورواه العوفي عن ابن عباس-أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وغيرهم، أي: لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا قال تعالى: {ليسوا سواء} أي: ليسوا  كلهم على حد سواء، بل منهم المؤمن ومنهم المجرم، ولهذا قال تعالى: {من أهل الكتاب أمة قائمة} أي: قائمة بأمر الله، مطيعة لشرعه متبعة نبي الله، فهي {قائمة} يعني مستقيمة {يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} أي: يقومون الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم {يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين} وهؤلاء هم المذكورون في آخر السورة: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب} [الآية199] وهكذا قال هاهنا: {وما يفعلوا من خير فلن يكفروه} أي: لا يضيع عند الله بل يجزيكم به أوفر الجزاء. {والله عليم بالمتقين} أي: لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملا.

{إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (116) مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (117) }
قال تعالى مخبرا عن الكفرة المشركين بأنه {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا} أي لا يرد عنهم بأس الله ولا عذابه إذا أراده بهم {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.
ثم ضرب مثلا لما ينفقه الكفار في هذه الدار، {مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر} أي: برد شديد،{أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته} أي: أحرقته، يعني بذلك السفعة إذا نزلت على حرث قد آن جداده أو حصاده فدمرته وأعدمت ما فيه من ثمر أو زرع، فذهبت به وأفسدته، فعدمه صاحبه أحوج ما كان إليه. فكذلك الكفار يمحق الله ثواب أعمالهم في هذه الدنيا وثمرتها كما أذهب ثمرة هذا الحرث بذنوب صاحبه. وكذلك هؤلاء بنوها على غير أصل وعلى غير أساس {وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون}.
{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون (118) ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور (119) إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط (120) }
{لا تتخذوا بطانة من دونكم} أي: من غيركم من أهل الأديان، وبطانة الرجل: هم خاصة أهله الذين يطلعون على داخل أمره.
وقد روى البخاري عن أبي سعيد؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله ".
ثم قال تعالى: {قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر} أي: قد لاح على صفحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل؛ ولهذا قال: {قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} .
وقوله تعالى: {ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله} أي: أنتم -أيها المؤمنون-تحبون المنافقين مما يظهرون لكم من الإيمان، فتحبونهم على ذلك وهم لا يحبونكم، لا باطنا ولا ظاهرا {وتؤمنون بالكتاب كله} أي: ليس عندكم في شيء منه شك ولا ريب، وهم عندهم الشك والريب والحيرة.
{وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} والأنامل: أطراف الأصابع، قاله قتادة.
وهذا شأن المنافقين يظهرون للمؤمنين الإيمان والمودة، وهم في الباطن بخلاف ذلك من كل وجه، كما قال تعالى: {وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} وذلك أشد الغيظ والحنق، قال الله تعالى: {قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور} أي: مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله متم نعمته على عباده المؤمنين ومكمل دينه، ومعل كلمته ومظهر دينه، فموتوا أنتم بغيظكم {إن الله عليم بذات الصدور} أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤملون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، فلا خروج لكم منها.
ثم قال: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها} وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم للمؤمنين وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب، ونصر وتأييد، وكثروا وعز أنصارهم، ساء ذلك المنافقين، وإن أصاب المسلمين سنة -أي: جدب-أو أديل عليهم الأعداء، لما لله في ذلك من الحكمة، كما جرى يوم أحد، فرح المنافقون بذلك، قال الله تعالى مخاطبا عباده المؤمنين: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط } يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكيد الفجار، باستعمال الصبر والتقوى، والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم.

موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017