الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

تفسير آل عمران من الآية 151 إلى الآية 160:



{سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين (151) ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين (152) إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون (153) }
ثم بشرهم بأنه سيلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذلة لهم، بسبب كفرهم وشركهم، مع ما ادخره لهم في الدار الآخرة من العذاب والنكال، فقال: {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين} .

وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة.
وقوله: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} قال ابن عباس: وعدهم الله النصر.
وقد يستدل بهذه الآية على أحد القولين المتقدمين في قوله: {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين. بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} أن ذلك كان يوم أحد لأن عدوهم كان ثلاثة آلاف مقاتل، فلما واجهوهم كان الظفر والنصر أول النهار للإسلام، فلما حصل ما حصل من عصيان الرماة وفشل بعض المقاتلة، تأخر الوعد الذي كان مشروطا بالثبات والطاعة؛ ولهذا قال: {ولقد صدقكم الله وعده} أي: أول النهار {إذ تحسونهم} أي: تقتلونهم{بإذنه} أي: بتسليطه إياكم عليهم {حتى إذا فشلتم} وقال ابن جريج: قال ابن عباس: الفشل الجبن، {وتنازعتم في الأمر وعصيتم} كما وقع للرماة {من بعد ما أراكم ما تحبون} وهو الظفر منهم{منكم من يريد الدنيا} وهم الذين رغبوا في المغنم حين رأوا الهزيمة {ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم} ثم أدالهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم {ولقد عفا عنكم} أي: غفر لكم ذلك الصنيع، وذلك -والله أعلم-لكثرة عدد العدو وعددهم، وقلة عدد المسلمين وعددهم.
عن البراء قال: لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشا من الرماة، وأمر عليهم عبد الله -يعني ابن جبير-وقال: "لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا". فلما لقيناهم هربوا، حتى رأينا النساء يشتددن في الجبل، رفعن عن سوقهن، وقد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة. فقال عبد الله: عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم ألا تبرحوا. فأبوا، فلما أبوا صرف وجوههم، فأصيب سبعون قتيلا فأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: "لا تجيبوه". فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: "لا تجيبوه". فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قد قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله، قد أبقى الله لك ما يحزنك فقال أبو سفيان: اعل هبل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أجيبوه". قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: الله أعلى وأجل". فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أجيبوه". قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم". قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني.
وقوله: {إذ تصعدون ولا تلوون على أحد} أي: صرفكم عنهم {إذ تصعدون} أي: في الجبل هاربين من أعدائكم.
وقرأ الحسن وقتادة: {إذ تصعدون} أي: في الجبل {ولا تلوون على أحد} أي: وأنتم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب {والرسول يدعوكم في أخراكم} أي: وهو قد خلفتموه وراء ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرة.
قال السدي: لما شد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: "إلي عباد الله، إلي عباد الله". فذكر الله صعودهم على الجبل، ثم ذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إياهم فقال: {إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم} .
وقوله: {فأثابكم غما بغم} أي: فجازاكم غما على غم، قال ابن عباس: الغم الأول: بسبب الهزيمة، وحين قيل: قتل محمد صلى الله عليه وسلم، والثاني: حين علاهم المشركون فوق الجبل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم ليس لهم أن يعلونا".
وعن عبد الرحمن بن عوف: الغم الأول: بسبب الهزيمة، والثاني: حين قيل: قتل محمد صلى الله عليه وسلم، كان ذلك عندهم أعظم من الهزيمة.
وقال السدي: الغم الأول: بسبب ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والثاني: بإشراف العدو عليهم.
قال محمد بن إسحاق {فأثابكم غما بغم} أي: كربا بعد كرب، قتل من قتل من إخوانكم، وعلو عدوكم عليكم، وما وقع في أنفسكم من قول من قال: "قتل نبيكم" فكان ذلك متتابعا عليكم غما بغم.
قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: {فأثابكم غما بغم} فأثابكم بغمكم أيها المؤمنون بحرمان الله إياكم غنيمة المشركين والظفر بهم والنصر عليهم، وما أصابكم من القتل والجراح يومئذ -بعد الذي أراكم في كل ذلك ما تحبون -بمعصيتكم ربكم، وخلافكم أمر النبي صلى الله عليه وسلم، غم ظنكم أن نبيكم قد قتل، وميل العدو عليكم بعد فلولكم منهم.
وقوله: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} أي: على ما فاتكم من الغنيمة بعدوكم {ولا ما أصابكم} من القتل والجراح، قاله ابن عباس، وعبد الرحمن بن عوف، والحسن، وقتادة، والسدي {والله خبير بما تعملون} .
{ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور (154) إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم (155) }
يقول تعالى ممتنا على عباده فيما أنزل عليهم من السكينة والأمنة، وهو النعاس الذي غشيهم وهم مستلئمو السلاح في حال همهم وغمهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان كما قال تعالى في سورة الأنفال، في قصة بدر: {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام} [الأنفال:11] .
عن أبي طلحة، رضي الله عنه، قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارا، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه.
{يغشى طائفة منكم} يعني: أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله سينصر رسوله وينجز له مأموله، ولهذا قال: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} يعني: لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف {يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية}اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة وأن الإسلام قد باد وأهله، هذا شأن أهل الريب والشك إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة.
ثم أخبر تعالى عنهم أنهم {يقولون} في تلك الحال: {هل لنا من الأمر من شيء} قال الله تعالى: {قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك} ثم فسر ما أخفوه في أنفسهم بقوله: {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا} أي: يسرون هذه المقالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الله تعالى: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} أي: هذا قدر مقدر من الله عز وجل، وحكم حتم لا يحاد عنه، ولا مناص منه.
وقوله: {وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم} أي: يختبركم بما جرى عليكم، وليميز الخبيث من الطيب، ويظهر أمر المؤمن والمنافق للناس في الأقوال والأفعال، {والله عليم بذات الصدور} أي: بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر.
ثم قال {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} أي: ببعض ذنوبهم السالفة، كما قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من جزاء السيئة السيئة بعدها.
ثم قال تعالى: {ولقد عفا الله عنهم} أي: عما كان منهم من الفرار {إن الله غفور حليم} أي: يغفر الذنب ويحلم عن خلقه، ويتجاوز عنهم.
{يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير (156) ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون (157) ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون (158) }
ينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد، الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار وفي الحروب: لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم. فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم} أي: عن إخوانهم {إذا ضربوا في الأرض} أي: سافروا للتجارة ونحوها{أو كانوا غزى} أي: في الغزو {لو كانوا عندنا} أي: في البلد {ما ماتوا وما قتلوا} أي: ما ماتوا في السفر ولا قتلوا في الغزو.
وقوله: {ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} أي: خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتهم وقتلهم ثم قال تعالى ردا عليهم: {والله يحيي ويميت} أي: بيده الخلق وإليه يرجع الأمر، ولا يحيا أحد ولا يموت إلا بمشيئته وقدره، ولا يزاد في عمر أحد ولا ينقص منه إلا بقضائه وقدره {والله بما تعملون بصير} أي: وعلمه وبصره نافذ في جميع خلقه، لا يخفى عليه من أمورهم شيء.
وقوله: {ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون} تضمن هذا أن القتل في سبيل الله، والموت أيضا، وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا وجمع حطامها الفاني.
ثم أخبر بأن كل من مات أو قتل فمصيره ومرجعه إلى الله، عز وجل، فيجزيه بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر فقال: {ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون}.
 {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين (159) إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون (160)}
 يقول تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم، ممتنا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته، المتبعين لأمره، التاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه: {فبما رحمة من الله لنت لهم} أي: أي شيء جعلك لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم.
وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة:128] .
ثم قال تعالى: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} الفظ: الغليظ، و المراد به هاهنا غليظ الكلام؛ لقوله بعد ذلك: {غليظ القلب} أي: لو كنت سيئ الكلام قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو: إنه رأى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة: أنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح.
ثمّ قال تعالى: {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، تطييبا لقلوبهم؛ ليكونوا فيما يفعلونه أنشط لهم كما شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير فقالوا: يا رسول الله، لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب، فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن شمالك مقاتلون.
وقوله: {فإذا عزمت فتوكل على الله} أي: إذا شاورتهم في الأمر وعزمت عليه فتوكل على الله فيه {إن الله يحب المتوكلين}
وقوله: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون} وهذا كما تقدم من قوله: {وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم} [آل عمران:126] ثم أمرهم بالتوكل عليه فقال: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون}

موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017