الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

تفسير آل عمران من الآية 161 إلى الآية 170:



{وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (161) أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (162) هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون (163) لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (164) }
يقول تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم، ممتنا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته، المتبعين لأمره، التاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه: {فبما رحمة من الله لنت لهم} أي: أي شيء جعلك لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم.

وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة:128] .
ثم قال تعالى: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} الفظ: الغليظ، و المراد به هاهنا غليظ الكلام؛ لقوله بعد ذلك: {غليظ القلب} أي: لو كنت سيئ الكلام قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو: إنه رأى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة: أنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح.
ثمّ قال تعالى: {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، تطييبا لقلوبهم؛ ليكونوا فيما يفعلونه أنشط لهم كما شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير فقالوا: يا رسول الله، لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب، فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن شمالك مقاتلون.
وقوله: {فإذا عزمت فتوكل على الله} أي: إذا شاورتهم في الأمر وعزمت عليه فتوكل على الله فيه {إن الله يحب المتوكلين}
وقوله: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون} وهذا كما تقدم من قوله: {وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم} [آل عمران:126] ثم أمرهم بالتوكل عليه فقال: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون}
وقوله: {وما كان لنبي أن يغل} قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغير واحد: ما ينبغي لنبي أن يخون.
وحكى ابن جرير ما روي ابن عباس أن هذه الآية: {وما كان لنبي أن يغل} نزلت في قطيفة  حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: أخذها قال فأكثروا في ذلك، فأنزل الله: {وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة}.
وعن ابن عباس كذلك قال: اتهم المنافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء فقد، فأنزل الله، عز وجل: {وما كان لنبي أن يغل}.
ثم قال تعالى: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد. وقد وردت السنة بالنهي عن ذلك أيضا في أحاديث متعددة.
وقوله: {أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} أي: لا يستوي من اتبع رضوان الله فيما شرعه، فاستحق رضوان الله وجزيل ثوابه وأجير من وبيل عقابه، ومن استحق غضب الله وألزم به، فلا محيد له عنه، ومأواه يوم القيامة جهنم وبئس المصير.
وهذه لها نظائر في القرآن كثيرة كقوله تعالى: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} [الرعد:19] وكقوله {أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين} [القصص:61].
ثم قال: {هم درجات عند الله} قال الحسن البصري ومحمد بن إسحاق: يعني: أهل الخير وأهل الشر درجات، وقال أبو عبيدة والكسائي: منازل، يعني: متفاوتون في منازلهم ودرجاتهم في الجنة ودركاتهم في النار، كما قال تعالى: {ولكل درجات مما عملوا} الآية [الأنعام:132]؛ ولهذا قال:{والله بصير بما يعملون} أي: وسيوفيهم إياها، لا يظلمهم خيرا ولا يزيدهم شرا، بل يجازي كلا بعمله.
وقوله: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} أي: من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به.
فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسل إليهم منهم، بحيث يمكنهم مخاطبته ومراجعته في فهم الكلام عنه، ولهذا قال: {يتلو عليهم آياته} يعني: القرآن {ويزكيهم} أي: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر لتزكو نفوسهم وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم {ويعلمهم الكتاب والحكمة} يعني: القرآن والسنة {وإن كانوا من قبل} أي: من قبل هذا الرسول {لفي ضلال مبين} أي: لفي غي وجهل ظاهر جلي بين لكل أحد.
{أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير (165) وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167) الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (168) }
يقول تعالى: {أولما أصابتكم مصيبة} وهي ما أصيب منهم يوم أحد من قتل السبعين منهم {قد أصبتم مثليها} يعني: يوم بدر، فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلا وأسروا سبعين أسيرا {قلتم أنى هذا} أي: من أين جرى علينا هذا؟ {قل هو من عند أنفسكم}
وقال محمد بن إسحاق، وابن جريج، والربيع بن أنس، والسدي: {قل هو من عند أنفسكم} أي: بسبب عصيانكم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم فعصيتم، يعني بذلك الرماة {إن الله على كل شيء قدير} أي: ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه.
{وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله} أي: فراركم بين يدي عدوكم وقتلهم لجماعة منكم وجراحتهم لآخرين، كان بقضاء الله وقدره، وله الحكمة في ذلك. وقوله{وليعلم المؤمنين} أي: الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا.
{وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم} يعني بذلك أصحاب عبد الله بن أبي ابن سلول الذين رجعوا معه في أثناء الطريق، فاتبعهم من اتبعهم من المؤمنين يحرضونهم على الإياب والقتال والمساعدة؛ ولهذا قال: {أو ادفعوا} قال ابن عباس: يعني كثروا سواد المسلمين. وقال الحسن بن صالح: ادفعوا بالدعاء. وقال غيره: رابطوا. فتعللوا قائلين: {لو نعلم قتالا لاتبعناكم} قال مجاهد: يعنون لو نعلم أنكم تلقون حربا لجئناكم، ولكن لا تلقون قتالا.
قال الله تعالى: {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان} استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال، فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان؛ لقوله: {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان}
ثم قال: {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} يعني: أنهم يقولون القول ولا يعتقدون صحته، ومنه قولهم هذا: {لو نعلم قتالا لاتبعناكم} فإنهم يتحققون أن جندا من المشركين قد جاءوا من بلاد بعيدة، يتحرقون على المسلمين بسبب ما أصابهم يوم بدر، وهم أضعاف المسلمين، أنه كائن بينهم قتال لا محالة؛ ولهذا قال تعالى: {والله أعلم بما يكتمون}.
وقوله: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا} أي: لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل. قال الله تعالى: {قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} أي: إن كان القعود يسلم  به الشخص من القتل والموت، فينبغي، أنكم لا تموتون، والموت لا بد آت إليكم ولو كنتم في بروج مشيدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين.
{ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (169) فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170) يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (171)
 يخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار القرار.
عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئا؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا".
وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن أبا جابر -وهو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري رضي الله عنه-قتل يوم أحد شهيدا. قال البخاري: وقال أبو الوليد، عن شعبة عن ابن المنكدر قال: سمعت جابرا قال: لما قتل أبي جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهوني والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تبكه -أو: ما تبكيه-ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع".
وقوله: {فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون} أي: الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند الله، وهم فرحون مما هم فيه من النعمة والغبطة، ومستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يقدمون عليهم، وأنهم لا يخافون مما أمامهم ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم.
وقد ثبت في الصحيحين عن أنس، رضي الله عنه، في قصة أصحاب بئر معونة السبعين من الأنصار، الذين قتلوا في غداة واحدة، وقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذين قتلوهم، يدعو عليهم ويلعنهم، قال أنس: ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع: "أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا".
ثم قال: {يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} قال محمد بن إسحاق: استبشروا وسروا لما عاينوا من وفاء الموعود وجزيل الثواب.

موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017