الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

تفسير آل عمران من الآية 191 إلى الآية 200 (آخر السورة)




{الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (191) ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (192) ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (193) ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد (194) }

ثم وصف تعالى أولي الألباب فقال: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنبك أي: لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض} أي: يفهمون ما فيهما من الحكم الدالة على عظمة الخالق وقدرته، وعلمه وحكمته، واختياره ورحمته.
وعن الحسن البصري أنه قال: تفكر ساعة خير من قيام ليلة. وقال سفيان بن عيينة: الفكرة نور يدخل قلبك.
وقد ذم الله تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته، فقال: {وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون. وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف:105، 106] ومدح عباده المؤمنين: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض} قائلين {ربنا ما خلقت هذا باطلا} أي: ما خلقت هذا الخلق عبثا، بل بالحق لتجزي الذين أساؤوا بما عملوا، وتجزي  الذين أحسنوا بالحسنى. ثم نزهوه عن العبث وخلق الباطل فقالوا: {سبحانك} أي: عن أن تخلق شيئا باطلا {فقنا عذاب النار} أي: يا من خلق الخلق بالحق والعدل يا من هو منزه عن النقائص والعيب والعبث، قنا من عذاب النار بحولك وقوتك وقيضنا لأعمال ترضى بها عنا، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم، وتجيرنا به من عذابك الأليم.
ثم قالوا: {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} أي: أهنته وأظهرت خزيه لأهل الجمع {وما للظالمين من أنصار} أي: يوم القيامة لا مجير لهم منك، ولا محيد لهم عما أردت بهم.
{ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان} أي: داعيا يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم {أن آمنوا بربكم فآمنا} أي يقول: {آمنوا بربكم فآمنا} أي: فاستجبنا له واتبعناه {ربنا فاغفر لنا ذنوبنا} أي: بإيماننا واتباعنا نبيك فاغفر لنا ذنوبنا، أي: استرها {وكفر عنا سيئاتنا} أي: فيما بيننا وبينك {وتوفنا مع الأبرار} أي: ألحقنا بالصالحين {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} قيل: معناه: على الإيمان برسلك. وقيل: معناه: على ألسنة رسلك. وهذا أظهر.
{فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب (195) }
{فاستجاب لهم ربهم} أي: فأجابهم ربهم.
 عن رجل من آل أم سلمة، قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، لا نسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله عز وجل {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى} إلى آخر الآية.
ومعنى الآية: أن المؤمنين ذوي الألباب لما سألوا -مما تقدم ذكره-فاستجاب لهم ربهم -عقب ذلك بفاء التعقيب، كما قال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} [البقرة:186] .
وقوله: {أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى} هذا تفسير للإجابة، أي قال لهم مجيبا لهم: أنه لا يضيع عمل عامل لديه، بل يوفي كل عامل بقسط عمله، من ذكر أو أنثى.
وقوله: {بعضكم من بعض} أي: جميعكم في ثوابي سواء {فالذين هاجروا} أي: تركوا دار الشرك وأتوا إلى دار الإيمان وفارقوا الأحباب والخلان والإخوان والجيران، {وأخرجوا من ديارهم} أي: ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجؤوهم إلى الخروج من بين أظهرهم؛ ولهذا قال: {وأوذوا في سبيلي} أي: إنما كان ذنبهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده، كما قال تعالى: {يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم} [الممتحنة:1] . وقال تعالى: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد} [البروج:8] .
وقوله: {وقاتلوا وقتلوا} وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله، فيعقر جواده، ويعفر وجهه بدمه وترابه، وقد ثبت في الصحيح أن رجلا قال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر، أيكفر الله عني خطاياي؟ قال: "نعم" ثم قال: "كيف قلت؟ ": فأعاد عليه ما قال، فقال: "نعم، إلا الدين، قاله لي جبريل آنفا".
ولهذا قال تعالى: {لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار} أي: تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب، من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وقوله: {ثوابا من عند الله} أضافه إليه ونسبه إليه ليدل على أنه عظيم؛ لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلا كثيرا.
وقوله: {والله عنده حسن الثواب} أي: عنده حسن الجزاء لمن عمل صالحا.
{لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد (197) لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار (198) }
يقول تعالى: لا تنظروا إلى ما هؤلاء الكفار مترفون فيه، من النعمة والغبطة والسرور، فعما قليل يزول هذا كله عنهم، ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة، فإنما نمد لهم فيما هم فيه استدراجا، وجميع ما هم فيه {متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد}.
وهكذا لما ذكر حال الكفار في الدنيا وذكر مآلهم إلى النار قال بعده: " {لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا} أي: ضيافة من عند الله {وما عند الله خير للأبرار}.
{وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب (199) يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون (200) }
يخبر تعالى عن طائفة من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالله حق الإيمان، وبما أنزل على محمد، مع ما هم يؤمنون به من الكتب المتقدمة، وأنهم خاشعون لله، أي: مطيعون له خاضعون متذللون بين يديه، {لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا} أي: لا يكتمون بأيديهم من البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم، وذكر صفته ونعته ومبعثه وصفة أمته، وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، سواء كانوا هودا أو نصارى. وقد قال تعالى في سورة القصص: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون. وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين. أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} الآية [القصص:52-54]
وهكذا قال هاهنا: {أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب} الآية.
وقد ثبت في الحديث أن جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه، لما قرأ سورة {كهيعص} بحضرة النجاشي ملك الحبشة، وعنده البطاركة والقساوسة بكى وبكوا معه، حتى أخضبوا لحاهم.
وثبت في الصحيحين أن النجاشي لما مات نعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، وقال: "إن أخا لكم بالحبشة قد مات فصلوا عليه". فخرج بهم إلى الصحراء، فصفهم، وصلى عليه.
عن أنس بن مالك قال: لما توفي النجاشي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استغفروا لأخيكم. فقال بعض الناس: يأمرنا أن نستغفر لعلج مات بأرض الحبشة. فنزلت: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله} الآية.
وقوله: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا} قال الحسن البصري، رحمه الله: أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم، وهو الإسلام، فلا يدعوه لسراء ولا لضراء ولا لشدة ولا لرخاء، حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يكتمون دينهم. وكذلك قال غير واحد من علماء السلف.
وأما المرابطة فهي المداومة في مكان العبادة والثبات.وقيل انتظار الصلاة بعد الصلاة.
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط".
وقيل: المراد بالمرابطة هاهنا مرابطة الغزو في نحور العدو، وحفظ ثغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة بلاد المسلمين، وقد وردت الأخبار بالترغيب في ذلك، وذكر كثرة الثواب فيه، فروى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها".
وقوله: {واتقوا الله} أي: في جميع أموركم وأحوالكم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: " اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ".
{لعلكم تفلحون} أي: في الدنيا والآخرة.

موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017