الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

تفسير سورة النّساء من الآية 1 إلى الآية 10



تفسير سورة النّساء من الآية 1 إلى الآية 10:
بسم الله الرحمن الرحيم
{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا}
يقول تعالى آمرا خلقه بتقواه، وهي عبادته وحده لا شريك له، ومنبها لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة، وهي آدم، عليه السلام {وخلق منها زوجها} وهي حواء، عليها السلام، خلقت من ضلعه الأيسر من خلفه وهو نائم، فاستيقظ فرآها فأعجبته، فأنس إليها وأنست إليه.
وفي الحديث الصحيح: "إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج" .
وقوله: {وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} أي: وذرأ منهما، أي: من آدم وحواء رجالا كثيرا ونساء.
ثم قال تعالى: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} أي: واتقوا الله بطاعتكم إياه، وقال الضحاك: واتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون، واتقوا الأرحام أن تقطعوها، ولكن بروها وصلوها.
قال إبراهيم ومجاهد والحسن: {الذي تساءلون به} أي: كما يقال: أسألك بالله وبالرحم، فقرأ بعضهم: {والأرحام} بالخفض على العطف على الضمير في به، أي: تساءلون بالله وبالأرحام.
وقوله: {إن الله كان عليكم رقيبا} أي: هو مراقب لجميع أعمالكم وأحوالكم.
وفي الحديث الصحيح: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" وهذا إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب؛ ولهذا ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب واحد وأم واحدة؛ ليعطف بعضهم على بعض، ويحننهم على ضعفائهم.
{وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (2) وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (3) وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا (4)}
يأمر تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة، وينهى عن أكلها وضمها إلى أموالهم؛ ولهذا قال: {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب}، وقال السدي: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم، ويجعل فيها مكانها الشاة المهزولة، ويقول شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف، ويقول: درهم بدرهم.
وقوله: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم}: أي لا تخلطوها فتأكلوها جميعا.
وقوله: {إنه كان حوبا كبيرا} قال ابن عباس: أي إثما كبيرا عظيما. والمعنى: إن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم وخطأ كبير فاجتنبوه.
وقوله: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى}
ثبت في صحيح البخاري: عن عائشة؛ أن رجلا كانت له يتيمة فنكحها، وكان لها عذق. وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء فنزلت فيه: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله.
وقوله: {مثنى وثلاث ورباع} أي: انكحوا ما شئتم من النساء سواهن إن شاء أحدكم ثنتين، وإن شاء ثلاثا وإن شاء أربعا، كما قال تعالى: {جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} [فاطر: 1] أي: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ولا ينفي ما عدا ذلك في الملائكة لدلالة الدليل عليه، بخلاف قصر الرجال على أربع، فمن هذه الآية كما قاله ابن عباس وجمهور العلماء؛ لأن المقام مقام امتنان وإباحة، فلو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لذكره.
قال الشافعي: وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة.
وهذا الذي قاله الشافعي، رحمه الله، مجمع عليه بين العلماء، إلا ما حكي عن طائفة من الشيعة أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع.
عن ابن عمر: أن غيلان بن سلمة كان عنده عشر نسوة فأسلم وأسلمن معه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعا. والأحايث في تقرير هذا المعنى كثيرة.
وقوله: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} أي: فإن خشيتم من تعداد النساء ألا تعدلوا بينهن، كما قال تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} [النساء: 129] فمن خاف من ذلك فيقتصر على واحدة، أو على الجواري السراري، فإنه لا يجب قسم بينهن، ولكن يستحب، فمن فعل فحسن، ومن لا فلا حرج.
وقوله: {ذلك أدنى ألا تعولوا} قال بعضهم: أي أدنى ألا تكثر عائلتكم. قاله زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة والشافعي، رحمهم الله، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: {وإن خفتم عيلة} أي فقرا {فسوف يغنيكم الله من فضله} [التوبة: 28]
وتقول العرب: عال الرجل يعيل عيلة، إذا افتقر ولكن في هذا التفسير هاهنا نظر؛ فإنه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر، كذلك يخشى من تعداد السراري أيضا. والصحيح قول الجمهور: {ذلك أدنى ألا تعولوا} أي: لا تجوروا. يقال: عال في الحكم: إذا قسط وظلم وجار.
وقوله: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} أي فريضة، وقال ابن زيد: النحلة في كلام العرب: الواجب.
ومضمون الكلام: أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حتما، وأن يكون طيب النفس بذلك، فإن طابت هي له به بعد تسميته أو عن شيء منه فليأكله حلالا طيبا؛ ولهذا قال تعالى{فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا}.
{ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا (5) وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا (6) }
ينهى تعالى عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس قياما، أي: تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها. ومن هاهنا يؤخذ الحجر على السفهاء، وهم أقسام: فتارة يكون الحجر للصغر؛ فإن الصغير مسلوب العبارة. وتارة يكون الحجر للجنون، وتارة لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين، وتارة يكون الحجر للفلس، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ماله عن وفائها، فإذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه حجر عليه.
هذه الآية الكريمة انتظمت الإحسان إلى العائلة، ومن تحت الحجر بالفعل، من الإنفاق في الكساوى والإنفاق والكلام الطيب، وتحسين الأخلاق.
وقوله تعالى: {وابتلوا اليتامى} قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، والسدي، ومقاتل بن حيان: أي اختبروهم {حتى إذا بلغوا النكاح} قال مجاهد: يعني: الحلم. قال الجمهور من العلماء: البلوغ في الغلام تارة يكون بالحلم، وهو أن يرى في منامه ما ينزل به الماء الدافق الذي يكون منه الولد.
وفي الحديث عن عائشة وغيرها من الصحابة، رضي الله عنهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق" أو يستكمل خمس عشرة سنة، وأخذوا ذلك من الحديث الثابت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة، فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني، فقال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز -لما بلغه هذا الحديث -إن هذا الفرق بين الصغير والكبير.
وقوله: {فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} قال سعيد بن جبير: يعني: صلاحا في دينهم وحفظا لأموالهم. وكذا روي عن ابن عباس، والحسن البصري، وغير واحد من الأئمة. وهكذا قال الفقهاء متى بلغ الغلام مصلحا لدينه وماله، انفك الحجر عنه، فيسلم إليه ماله الذي تحت يد وليه بطريقه.
وقوله: {ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا} ينهى تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية إسرافا ومبادرة قبل بلوغهم.
ثم قال تعالى: {ومن كان غنيا فليستعفف} أي من كان في غنية عن مال اليتيم فليستعفف عنه، ولا يأكل منه شيئا. قال الشعبي: هو عليه كالميتة والدم.
عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية في والي اليتيم {ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} بقدر قيامه عليه.
قال الفقهاء: له أن يأكل أقل الأمرين: أجرة مثله أو قدر حاجته.
وقوله: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم} يعني: بعد بلوغهم الحلم وإيناس الرشد منهم فحينئذ سلموهم أموالهم، فإذا دفعتم إليهم أموالهم {فأشهدوا عليهم} وهذا أمر الله تعالى للأولياء أن يشهدوا على الأيتام إذا بلغوا الحلم وسلموا إليهم أموالهم؛ لئلا يقع من بعضهم جحود وإنكار لما قبضه وتسلمه.
ثم قال: {وكفى بالله حسيبا} أي: وكفى بالله محاسبا وشهيدا ورقيبا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال.
{للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا (7) وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا (8) وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا (9) إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا (10) }
قال سعيد بن جبير وقتادة: كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار، ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئا، فأنزل الله: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا} أي: الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى، يستوون في أصل الوراثة وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله تعالى لكل منهم.
وقوله: {وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا} قيل: المراد: وإذا حضر قسمة الميراث ذوو القربى ممن ليس بوارث واليتامى والمساكين فليرضخ لهم من التركة نصيب، وأن ذلك كان واجبا في ابتداء الإسلام. وقيل: يستحب واختلفوا: هل هو منسوخ أم لا؟ على قولين.
فمنهم من قال أنها محكمة ، وقال آخرون منسوخة نسختها آية الميراث.
والمعنى: أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يرثون، واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل، فإن أنفسهم تتوق إلى شيء منه، إذا رأوا هذا يأخذ وهذا يأخذ وهذا يأخذ، وهم يائسون لا شيء يعطون، فأمر الله تعالى -وهو الرءوف الرحيم -أن يرضخ لهم شيء من الوسط يكون برا بهم وصدقة عليهم، وإحسانا إليهم، وجبرا لكسرهم.
وقوله: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هذا في الرجل يحضره الموت، فيسمعه الرجل يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله، ويوفقه ويسدده للصواب، ولينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة.
وثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده قال: يا رسول الله، إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا". قال: فالشطر؟ قال: "لا". قال: فالثلث؟ قال: "الثلث، والثلث كثير". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس".
وقيل: المراد بقوله: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله} أي في مباشرة أموال اليتامى {ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا}
حكاه ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس: وهو قول حسن، يتأيد بما بعده من التهديد في أكل مال اليتامى ظلما، أي: كما تحب أن تعامل ذريتك من بعدك، فعامل الناس في ذرياتهم إذا وليتهم.
ثم أعلمهم أن من أكل مال يتيم ظلما فإنما يأكل في بطنه نارا؛ ولهذا قال: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} أي: إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب، فإنما يأكلون نارا تأجج في بطونهم يوم القيامة. وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".
وتقدم في سورة البقرة من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أنزل الله: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا} انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله أو يفسد  فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح } [البقرة: 220] .



موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017