الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

(4) تابع تلخيص مباحث في علوم القرآن:نزول القرآن



نزول القرآن:
  أنزل الله القرآن على رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم- لهداية البشرية، فكان نزوله حدثًا جللًا يؤذن بمكانته لدى أهل السماء وأهل الأرض، فإنزاله الأول في ليلة القدر أشعر العالم العُلوي من ملائكة الله بشرف الأمة المحمدية خير أمة أخرجت للناس، وتنزيله الثاني مفرَّقًا على خلاف المعهود في إنزال الكتب السماوية قبله كان تثبيتًا لقلب النبي صلى الله عليه وسلم، وتسلية له، وتدرجًا مع الأحداث والوقائع حتى أكمل الله الدين، وأتم النعمة.
نزول القرآن جملة:
  يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} (البقرة الآية 185).
ويقول: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (القدر الآية1).
ويقول: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} (الدخان الآية 3).
  ولا تعارض بين هذه الآيات الثلاث، فالليلة المباركة هي ليلة القدر من شهر رمضان، إنما يتعارض ظاهرها مع الواقع العملي في حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث نزل القرآن عليه في ثلاث وعشرين سنة.. وللعلماء في هذا مذهبان أساسيان:
- المذهب الأول: وهو الذي قال به ابن عباس وجماعة وعليه جمهور العلماء: أن المراد بنزول القرآن في تلك الآيات الثلاث نزوله جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا تعظيمًا لشأنه عند ملائكته، ثم نزل بعد ذلك مُنَجَّمًا على رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم- في ثلاث وعشرين سنة حسب الوقائع والأحداث.
عن ابن عباس قال: "أُنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القدر. ثم أُنزل بعد ذلك في عشرين سنة, ثم قرأ: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا}، {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا}.
- المذهب الثاني: وهو الذي رُوِيَ عن الشعبي: أن المراد بنزول القرآن في الآيات الثلاث ابتداء نزوله على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد ابتدأ نزوله في ليلة القدر في شهر رمضان، وهي الليلة المباركة، ثم تتابع نزوله بعد ذلك متدرجًا مع الوقائع والأحداث في قرابة ثلاث وعشرين سنة، فليس للقرآن سوى نزول واحد هو نزوله مُنَجَّمًا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأن هذا هو الذي جاء به القرآن: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا}، وجادل فيه المشركون الذين نُقِلَ إليهم نزول الكتب السماوية السابقة جملة واحدة: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً, وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا}.
- المذهب الثالث: يرى أن القرآن أُنزل إلى السماء الدنيا في ثلاث وعشرين ليلة قدر، في كل ليلة منها ما يُقَدِّرُ الله إنزاله في كل السنة، وهذا القدر الذي ينزل في ليلة القدر إلى السماء الدنيا لسنة كاملة ينزل بعد ذلك مُنَجَّمًا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جميع السنة.
وهذا المذهب اجتهاد من بعض المفسرين، ولا دليل عليه.
  أما المذهب الثاني الذي رُوِيَ عن الشعبي فأدلته -مع صحتها والتسليم بها- لا تتعارض مع المذهب الأول الذي رُوِيَ عن ابن عباس. فيكون نزول القرآن جملة وابتداء نزوله مفرقًا في ليلة القدر من شهر رمضان، وهي الليلة المباركة.
    فالراجح أن القرآن الكريم له تنزلان:
الأول: نزوله جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة من السماء الدنيا.
والثاني: نزوله من السماء الدنيا إلى الأرض مفرقًا في ثلاث وعشرين سنة.
أما قوله سبحانه وتعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيد فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ}، فلا يتعارض مع ما سبق أن رجحناه، فالقرآن الكريم مثبت في اللَّوح المحفوظ شأن سائر المغيبات المثبتة فيه.
نزول القرآن مُنَجَّمًا:
يقول تعالى في التنزيل: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ, نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ, عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ, بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}(الشعراء:192-195).
ويقول: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}(النحل102).
فهذه الآيات وغيرها ناطقة بأن القرآن الكريم كلام الله بألفاظه العربية، وأن جبريل نزل به على قلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأن هذا النزول غير النزول الأول إلى سماء الدنيا, فالمراد به نزوله مُنَجَّمًا، ويدل التعبير بلفظ التنزيل دون الإنزال على أن المقصود النزول على سبيل التدرج والتنجيم، فإن علماء اللغة يُفَرِّقون بين الإنزال والتنزيل، فالتنزيل لما نزل مفرقًا، والإنزال أعم.
الحكمة من تنزيله منجما:
1-            الحكمة الأولى: تثبيت فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم :بين سبحانه وجه الحكمة في تنزيل القرآن مُنَجَّمًا بقوله: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} أي كذلك أنزل مفرَّقًا لحكمة هي: تقوية قلب رسول الله {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} أي قدرناه آية بعد آية بعضه إثر بعض، أو بيناه تبيينًا، فإن إنزاله مفرقًا حسب الحوادث أقرب إلى الحفظ والفهم وذلك من أعظم أسباب التثبيت.
   قال أبو شامة: "فإن قيل: ما السر في نزوله مُنَجَّمًا؟ وهَلَّا أُنزل كسائر الكتب جملة؟ قلنا: هذا سؤال قد تولى الله جوابه، فقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} يعنون: كما أُنزل على من قبله من الرسل، فأجابهم تعالى بقوله: {كَذَلِكَ} أي أنزلناه مفرَّقًا {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} أي لنقوي به قلبك، فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب، وأشد عناية بالمرسَل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول المَلَك إليه، وتجدد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة، ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقياه جبريل".
    كذلك بين الله له سُنته في الأنبياء السابقين الذين كُذِّبوا وأُوذوا فصبروا حتى جاءهم نصر الله، وأن قومه لم يكذبوه إلا علوًّا واستكبارًا، فيجد عليه الصلاة والسلام في ذلك السٌّنَّة الإلهية في موكب النبوة عبر التاريخ التي يتأسى بها تسلية له إزاء أذى قومه، {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ, وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا}، {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ}.
  ويأمره القرآن بالصبر كما صبر الرسل من قبله: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} ويطمئن نفسه بما تكفل الله به من كفايته أمر المكذِّبين: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا, وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا}
   وهذا هو ما جاء في حكمة قصص الأنبياء بالقرآن: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَك}،كلما اشتد ألم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لتكذيب قومه، وداخله الحزن لأذاهم نزل القرآن دعمًا وتسلية له، يهدد المكذِّبين بأن الله يعلم أحوالهم، وسيجازيهم على ما كان منهم: {فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}، {وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
   كما يبشره الله تعالى بآيات المنعة والغلبة والنصر: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}، {وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا}، {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
  وهكذا كانت آيات القرآن تتنزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تباعًا تسلية له بعد تسلية، وعزاء بعد عزاء، حتى لا يأخذ منه الحزن مأخذه ولا يستبد به الأسى.
2- الحكمة الثانية: التحدي والإعجاز.
     فالمشركون تمادوا في غيهم، وبالغوا في عُتوِّهم، وكانوا يسألون أسئلة تعجيز وتحد يمتحنون بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في نبوته، كعلم الساعة: {يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ}، واستعجال العذاب: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ}, فيتنزل القرآن بما يبين وجه الحق لهم، وبما هو أوضح معنى في مؤدى أسئلتهم، كما قال تعالى: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا}، أي ولا يأتونك بسؤال عجيب من أسئلتهم الباطلة إلا أتيناك نحن بالجواب الحق، وبما هو أحسن معنًى.
3- الحكمة الثالثة: تيسير حفظه وفهمه.
  لقد نزل القرآن الكريم على أمة أمية لا تعرف القراءة والكتابة، سجلها ذاكرة حافظة، ليس لها دراية بالكتابة والتدوين حتى تكتب وتدوِّن، ثم تحفظ وتفهم: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}، {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ}، فما كان للأمة الأمية أن تحفظ القرآن كله بيسر لو نزل جملة واحدة، وأن تفهم معانيه وتتدبر آياته، فكان نزوله مفرقًا خير عون لها على حفظه في صدورها وفهم آياته، كلما نزلت الآية أو الآيات حفظها الصحابة، وتدبروا معانيها، ووقفوا عند أحكامها، واستمر هذا منهجًا للتعليم في حياة التابعين.
4- الحكمة الرابعة: مسايرة الحوادث والتدرج في التشريع.
    فما كان الناس ليسلس قيادهم طفرة للدين الجديد لولا أن القرآن عالجهم بحكمه، فكلما حدثت حادثة بينهم نزل الحكم فيها يُجلِّي لهم صبحها ويرشدهم إلى الهدى، ويضع لهم أصول التشريع حسب المقتضيات.
لقد كان القرآن الكريم بادئ ذي بدء يتناول أصول الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب وجزاء وجنة ونار، ويقيم على ذلك الحجج والبراهين حتى يستأصل من نفوس المشركين العقائد الوثنية ويغرس فيها عقيدة الإسلام.
   وكان يأمر بمحاسن الأخلاق التي تزكو بها النفس ويستقيم عوجها، وينهى عن الفحشاء والمنكر ليقتلع جذور الفساد والشر. ويبيِّن قواعد الحلال والحرام التي يقوم عليها صرح الدين، وترسو دعائمه في المطاعم والمشارب والأموال والأعراض والدماء.
    ثم تدرج التشريع بالأمة في علاج ما تأصل في النفوس من أمراض اجتماعية. بعد أن شرع لهم من فرائض الدين وأركان الإسلام ما يجعل قلوبهم عامرة بالإيمان، خالصة لله، تعبده وحده لا شريك له، فأصول المعاملات المدنية نزلت بمكة، ولكن تفصيل أحكامها نزل بالمدينة كآية المداينة وآيات تحريم الربا.
   وأسس العلاقات الأسرية نزلت بمكة، أما بيان حقوق كل من الزوجين، وواجبات الحياة الزوجية، وما يترتب على ذلك من استمرار العشرة أو انفصامها بالطلاق، أو انتهائها بالموت ثم الإرث فقد جاء في التشريع المدني.
  وأصل الزنا حُرم بمكة: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}، ولكن العقوبات المترتبة عليه نزلت بالمدينة.
   وأصل حرمة الدماء نزل بمكة: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ}، ولكن تفصيل عقوباتها في الاعتداء على النفس والأطراف تزل بالمدينة.
وأوضح مثال لذلك التدرج في التشريع: تحريم الخمر.
    فقد نزل قوله تعالى: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}، في مقام الامتنان بنعمه سبحانه - وإذا كان المراد بالسُّكْر ما يُسْكِر من الخمر، وبالرزق ما يؤكل من هاتين الشجرتين كالتمر والزبيب - وهذا ما عليه جمهور المفسرين - فإن وصف الرزق بأنه حسن دون وصف السُّكْر يُشعر بمدح الرزق والثناء عليه وحده دون السُّكْر.
   ثم نزل قوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}، فقارنت الآية بين منافع الخمر فيما يصدر عن شربها من طرب ونشوة أو يترتب على الاتجار بها من ربح، ومضارها في إثم تعاطيها وما ينشأ عنه من ضرر في الجسم، وفساد في العقل، وضياع للمال وإثارة لبواعث الفجور والعصيان، ونفَّرت الآية منها بترجيح المضار على المنافع.
    ثم نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى}، فاقتضى هذا الامتناع عن شرب الخمر في الأوقات التي يستمر تأثيرها إلى وقت الصلاة، حيث جاء النهي عن قربان الصلاة في حال السُّكْر حتى يزول عنهم أثره ويعلموا ما يقولونه في صلاتهم.
    ثم نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ}. فكان هذا تحريمًا قاطعًا للخمر في الأوقات كلها:
   ويوضح هذه الحكمة ما رُوِي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المُفصَّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: "لا تشربوا الخمر" لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: "لا تزنوا" لقالوا: "لا ندع الزنا أبدًا".
5- الحكمة الخامسة: الدلالة القاطعة على أن القرآن الكريم تنزيل من حكيم حميد.
   إن هذا القرآن الذي نزل مُنَجَّمًا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أكثر من عشرين عامًا تنزل الآية أو الآيات على فترات من الزمن يقرؤه الإنسان ويتلو سوره فيجده محكم النسج، دقيق السبك، مترابط المعاني، رصين الأسلوب، متناسق الآيات والسور، كأنه عقد فريد نظمت حباته بما لم يُعهد له مثيل في كلام البشر: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}. ولو كان هذا القرآن من كلام البَشر قيل في مناسبات متعددة، ووقائع متتالية، وأحداث متعاقبة، لوقع فيه التفكك والانفصام، واستعصى أن يكون بينه التوافق والانسجام: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا}
الاستفادة من نزول القرآن مُنَجَّمًا في التربية والتعليم:
   تعتمد العملية التعليمية على أمرين أساسيين: مراعاة المستوى الذهني للطلاب. وتنمية قدراتهم العقلية والنفسية والجسمية بما يوجهها وجهة سديدة إلى الخير والرشاد.
   ونحن نلحظ في حكمة نزول القرآن مُنَجَّمًا ما يفيدنا في مراعاة هذين الأمرين على النحو الذي ذكرناه آنفًا، فإن نزول القرآن الكريم تدرج في تربية الأمة الإسلامية تدرجًا فطريًّا لإصلاح النفس البشرية، واستقامة سلوكها، وبناء شخصيتها، وتكامل كيانها، حتى استوت على سوقها، وآتت أكلها الطيب بإذن ربها لخير الإنسانية كافة، وكان تنجيم القرآن خير عون لها على حفظه وفهمه ومدارسته وتدبر معانيه، والعمل بما فيه.
   وبين نزول القرآن في مطلع الوحي بالقراءة والتعليم بأداة الكتابة: {اقْرَأْ ..}, ونزول آيات الربا والمواريث في نظام المال، أو نزول آيات القتال في المفاصلة التامة بين الإسلام والشرك بين ذاك وهذا مراحل تربوية كثيرة لها أساليبها التي تلائم مستوى المجتمع الإسلامي في تدرجه من الضعف إلى القوة، ومن القوة إلى شدة البأس.
والمنهج الدراسي الذي لا يُراعى فيه المستوى الذهني للطلاب في كل مرحلة من مراحل التعليم وبناء جزئيات العلوم على كلياتها والانتقال من الإجمال إلى التفصيل، أو لا يراعي تنمية جوانب الشخصية العقلية والنفسية والجسمية منهج فاشل لا تجني منه الأمة ثمرة علمية سوى الجمود والتخلف.
   والمدرس الذي لا يعطي طلابه القدر المناسب من المادة العلمية فيُثْقِل كاهلهم ويحملهم ما لا يطيقون حفظًا أو فهمًا أو يحدثهم بما لا يدركون، أو لا يراعي حالهم في علاج ما يعرض لهم من شذوذ خُلُقي أو يفشو من عادات سيئة، فيقسو ويتعسف، ويأخذ الأمر دون أناة وروية، وتدرج وحكمة - المدرس الذي يفعل ذلك مدرس فاشل كذلك. يُحوِّل العملية التعليمية إلى متاهات موحشة، ويجعل غرف الدراسة قاعات منفرة.
    وقِسْ على هذا الكتاب المدرسي، فالكتاب الذي لا تنتظم موضوعاته وفصوله، ولا تتدرج معلوماته من السهل إلى الصعب، ولا تترتب جزئياته ترتيبًا محكمًا منسقًا، ولا يكون أسلوبه واضحًا في أداء المعنى المقصود، كتاب ينفر الطالب من قراءته، ويحرمه من الاستفادة منه.
   والهَدْي الإلهي في حكمة نزول القرآن مُنَجَّمًا هو الأسوة الحسنة في صياغة مناهج التعليم, والأخذ بأمثل الطرق في الأساليب التربوية بقاعة الدرس، وتأليف الكتاب المدرسي.

موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017