الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

(5) تابع لتلخيص كتاب مباحث في علوم القرآن: جمع القرآن وترتيبه



جمع القرآن وترتيبه:
يُطلق جمع القرآن ويُراد به عند العلماء أحد معنيين:
المعنى الأولى: جمعه بمعنى حفظه، وهذا المعنى هو الذي ورد في قوله تعالى في خطابه لنبيه صلى الله عليه وسلم وقد كان يحرِّك شفتيه ولسانه بالقرآن إذا نزل عليه قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي حرصًا على أن يحفظه: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ, إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ, فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ, ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}.
المعنى الثاني: جمع القرآن بمعنى كتابته كله.
أ‌-                  جمع القرآن بمعنى حفظه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم:
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مولعا بالوحي، يترقب نزوله عليه بشوق، فيحفظه ويفهمه، مصداقا لوعد الله: {إن علينا جمعه وقرآنه}, فكان بذلك أول الحفاظ، ولصحابته فيه الأسوة الحسنة،
وقد نزل القرآن في بضع وعشرين سنة، وكلما نزلت آية حفظت في الصدور، ووعتها القلوب، والأمة العربية كانت بسجيتها قوية الذاكرة، تستعيض عن أميتها في كتابة أخبارها وأشعارها وأنسابها بسجل صدورها.
وقد أورد البخاري في صحيحه ثلاث روايات تنص على أنه لم يجمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا سبعة من الحفاظ، هم: عبد الله بن مسعود، وسالم بن معقل مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد بن السكن، وأبو الدرداء.
وذكر هؤلاء الحفاظ السبعة  لا يعني الحصر، فإن النصوص الواردة في كتب السير والسنن تدل على أن الصحابة كانوا يتنافسون في حفظ القرآن، ويحفظونه أزواجهم وأولادهم. ويقرءون به في صلواتهم بجوف الليل، حتى يسمع لهم دوي كدوي النحل، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمر على بيوت الأنصار، ويستمع إلى ندى أصواتهم بالقراءة في بيوتهم، عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال له: "لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك؟ لقد أعطيت مزمارا من مزامير داود".
وعن عبد الله بن عمرو قال: جمعت القرآن، فقرأت به كل ليلة، فبلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "اقرأه في شهر".
ومع حرص الصحابة على مدارسة القرآن واستظهاره فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يشجعهم على ذلك، ويختار لهم من يعلمهم القرآن، عن عبادة بن الصامت قال: "كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى رجل منا يعلمه القرآن، وكان يسمع لمسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضجة بتلاوة القرآن، حتى أمرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا".
فهذا الحصر للسبعة المذكورين من البخاري بالروايات الثلاث محمول على أن هؤلاء هم الذين جمعوا القرآن كله في صدورهم، وعرضوه على النبي -صلى الله عليه وسلم- واتصلت بنا أسانيدهم، أما غيرهم من حفظة القرآن -وهم كثر- فلم يتوافر فيهم هذه الأمور كلها، لا سيما وأن الصحابة تفرقوا في الأمصار، وحفظ بعضهم عن بعض، ويكفي دليلا على ذلك أن الذين قتلوا في بئر معونة من الصحابة كان يقال لهم القراء، وكانوا سبعين رجلا كما في الصحيح، قال القرطبي: "قد قتل يوم اليمامة سبعون من القراء وقتل في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ببئر معونة مثل هذا العدد".
و قد ذكر الحافظ الذهبي في "طبقات القراء" أن هذا العدد من القراء هم الذين عرضوه على النبي -صلى الله عليه وسلم- واتصلت بنا أسانيدهم، وأما من جمعه منهم ولم يتصل بنا سندهم فكثير.
ومن هذه النصوص يتبين لنا أن حفظة القرآن في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- كانوا جمعا غفيرا، فإن الاعتماد على الحفظ في النقل من خصائص هذه الأمة، قال ابن الجزري شيخ القراء في عصره: "إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على خط المصاحف والكتب أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة".
ب-  جمع القرآن بمعنى كتابته على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم:
اتخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتابا للوحي من أجلاء الصحابة. كعلي، ومعاوية، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، تنزل الآية فيأمرهم بكتابتها، ويرشدهم إلى موضعها من سورتها، حتى تظاهر الكتابة في السطور، الجمع في الصدور.
كما كان بعض الصحابة يكتبون ما ينزل من القرآن ابتداء من أنفسهم، دون أن يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فيخطونه في العسب، واللخاف، والكرانيف ، والرقاع، والأقتاب، وقطع الأديم، والأكتاف، عن زيد بن ثابت قال: "كنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نؤلف القرآن من الرقاع".
[العسب: جمع عسيب، وهو جريد النخل، كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطرف العريض، واللخاف: جمع لخفة، وهي صفائح الحجارة، والكرانيف: جمع كرنافة، وهي أصول السعف الغلاظ، والرقاع: جمع رقعة، وقد تكون من جلد أو رق، والأقتاب: جمع قتب، وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه، والأكتاف: جمع كتف، وهو العظم الذي للبعير أو الشاة، كانوا إذا جف كتبوا عليه.]
وهذا يدل على مدى المشقة التي كان يتحملها الصحابة في كتابة القرآن، حيث لم تتيسر لهم أدوات الكتابة إلا بهذه الوسائل، فأضافوا الكتابة إلى الحفظ.
ولم تكن هذه الكتابة في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- مجتمعة في مصحف عام، بل عند هذا ما ليس عند ذاك، وقد نقل العلماء أن نفرا منهم: علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود – قد جمعوا القرآن كله على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذكر العلماء أن زيد بن ثابت كان عرضه متأخرا عن الجميع.
وقبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والقرآن محفوظ في الصدور، ومكتوب في الصحف على نحو ما سبق، مفرق الآيات والسور، أو مرتب الآيات فقط وكل سورة في صحيفة على حدة، ولم يجمع في مصحف عام، حيث كان الوحي يتنزل تباعا وقد يكون منه الناسخ لشيء نزل من قبل، وكتابة القرآن لم يكن ترتيبها بترتيب النزول بل تكتب الآية بعد نزولها حيث يشير صلى الله عليه وسلم إلى موضع كتابتها بين آية كذا وآية كذا في سورة كذا، ولو جمع القرآن كله بين دفتي مصحف واحد لأدى هذا إلى التغيير كلما نزل شيء من الوحي.
2-  جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه:
عن زيد بن ثابت قال: "أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أريد أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله, صلى الله عليه وسلم؟ قال: عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر - قال زيد: قال: أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله, صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع غيره {لقد جاءكم رسول من أنفسكم}, حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر".
وقد راعى زيد بن ثابت نهاية التثبت، فكان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة، وقوله في الحديث: "ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره" لا ينافي هذا، ولا يعني أنها ليست متواترة، وإنما المراد أنه لم يجدها مكتوبة عند غيره، وكان زيد يحفظها، وكان كثير من الصحابة يحفظونها كذلك، لأن زيدا كان يعتمد على الحفظ والكتابة معا، فكانت هذه الآية محفوظة عند كثير منهم، ويشهدون بأنها كتبت، ولكنها لم توجد مكتوبة إلا عند أبي خزيمة الأنصاري.
وقدم عمر فقال: من كان تلقى من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئا من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان" وهذا يدل على أن زيدا كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوبا حتى يشهد به من تلقاه سماعا، مع كون زيد كان يحفظ، فكان يفعل ذلك مبالغة من الاحتياط.
فكان أبو بكر -رضي الله عنه- أول من جمع القرآن بهذه الصفة في مصحف، وإن وجدت مصاحف فردية عند بعض الصحابة، كمصحف علي، ومصحف أبي، ومصحف ابن مسعود، فإنها لم تكن على هذا النحو، ولم تنل حظها من التحري والدقة، والجمع والترتيب، والاقتصار على ما لم تنسخ تلاوته، والإجماع عليها، بمثل ما نال مصحف أبي بكر، فهذه الخصائص تميز بها جمع أبي بكر للقرآن، ويرى بعض العلماء أن تسمية القرآن بالمصحف نشأت منذ ذلك الحين في عهد أبي بكر بهذا الجمع، وعن علي قال: "أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله".
3-  جمع القرآن في عهد عثمان, رضي الله عنه:
اتسعت الفتوحات الإسلامية، وتفرق القراء في الأمصار، وأخذ أهل كل مصر عمن وفد إليهم قراءته، ووجوه القراءة التي يؤدون بها القرآن مختلفة باختلاف الأحرف التي نزل عليها، فكانوا إذا ضمهم مجمع أو موطن من مواطن الغزو عجب البعض من وجوه هذا الاختلاف، وقد يقنع بأنها جميعا مسندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن هذا لا يحول دون تسرب الشك للناشئة التي لم تدرك الرسول، وذلك يؤدي إلى الملاحاة ثم إلى اللجاج والتأثيم، وتلك فتنة لا بد لها من علاج.
عن أنس: "أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال لعثمان، أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنه إنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.
وعن سويد بن غفلة قال: "قال علي: لا تقولوا في عثمان إلا خيرا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصحف إلا عن ملأ منا. قال: ما تقولون في هذه القراءة؟ قد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرا، قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت".
وهذا يدل على أن ما صنعه عثمان قد أجمع عليه الصحابة.
الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان:
يتبين من النصوص أن جمع أبي بكر يختلف عن جمع عثمان في الباعث والكيفية.
قال ابن التين وغيره: "الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان، أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته، لأنه لم يكن مجموعا في موضع واحد، فجمعه في صحائف، مرتبا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرءوه بلغاتهم على اتساع اللغات فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعضه, فخشى من تفاقم الأمر في ذلك, فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبا لسوره، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش، محتجا بأنه نزل بلغتهم، وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت، فاقتصر على لغة واحدة" وقال الحارث المحاسبي: "المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد، على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار، لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات، فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن فأما السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق".
وبهذا قطع عثمان دابر الفتنة، وحسم مادة الخلاف، وحصن القرآن من أن يتطرق إليه شيء من الزيادة والتحريف على مر العصور وتعاقب الأزمان.

موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017