الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

تفسير النساء من الآية 141 إلى الآية 150



تفسير النساء من الآية 141 إلى الآية 150:
{الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (141) }
يخبر تعالى عن المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، بمعنى ينتظرون زوال دولتهم، وظهور الكفر عليهم، وذهاب ملتهم {. فإن كان لكم فتح من الله} أي: نصر وتأييد وظفر وغنيمة {قالوا ألم نكن معكم} ؟ أي: يتوددون إلى المؤمنين بهذه المقالة {وإن كان للكافرين نصيب} أي: إدالة على المؤمنين في بعض الأحيان، كما وقع يوم أحد، فإن الرسل تبتلى ثم يكون لها العاقبة {قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين} ؟ أي: ساعدناكم في الباطن، وما ألوناهم خبالا وتخذيلا حتى انتصرتم عليهم.
وقال السدي: {نستحوذ عليكم} نغلب عليكم، كقوله: {استحوذ عليهم الشيطان} [المجادلة: 19] وهذا أيضا تودد منهم إليهم، فإنهم كانوا يصانعون هؤلاء وهؤلاء؛ ليحظوا عندهم ويأمنوا كيدهم، وما ذاك إلا لضعف إيمانهم، وقلة إيقانهم.
قال الله تعالى: {فالله يحكم بينكم يوم القيامة} أي: بما يعلمه منكم -أيها المنافقون-من البواطن الرديئة، فلا تغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليكم ظاهرا في الحياة الدنيا، لما له تعالى في ذلك من الحكمة، فيوم القيامة لا تنفعكم ظواهركم، بل هو يوم تبلى فيه السرائر ويحصل ما في الصدور.
وقوله: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} عن ابن عباس: قال: ذاك يوم القيامة.
وقال السدي: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} أي: حجة.
ويحتمل أن يكون المراد: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} أي: في الدنيا، بأن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة.
{إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (142) مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (143) }
قد تقدم في أول سورة البقرة قوله تعالى: {يخادعون الله والذين آمنوا} [البقرة: 9] وقال هاهنا: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} ولا شك أن الله تعالى لا يخادع، فإنه العالم بالسرائر والضمائر، ولكن المنافقين لجهلهم وقلة علمهم وعقلهم، يعتقدون أن أمرهم كما راج عند الناس وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهرا، فكذلك يكون حكمهم يوم القيامة عند الله، وأن أمرهم يروج عنده، وقوله: {وهو خادعهم} أي: هو الذي يستدرجهم في طغيانهم وضلالهم، ويخذلهم عن الحق والوصول إليه في الدنيا وكذلك في يوم القيامة.
وقوله: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها؛ لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها.
وقوله: {ولا يذكرون الله إلا قليلا} أي: في صلاتهم لا يخشعون فيها ولا يدرون ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون.
وقوله: {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} يعني: المنافقين محيرين بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهرا وباطنا، ولا مع الكافرين ظاهرا وباطنا، بل ظواهرهم مع المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين. ومنهم من يعتريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء، وتارة يميل إلى أولئك {كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا} الآية [البقرة: 20] .

قال مجاهد: {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} يعني: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم {ولا إلى هؤلاء} يعني: اليهود.
ولهذا قال تعالى: {ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا} أي: ومن صرفه عن طريق الهدى {فلن تجد له وليا مرشدا}.
{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا (144) إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (145) إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (146) ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما (147) }
ينهى تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يعني مصاحبتهم ومصادقتهم ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم، كما قال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه} [آل عمران: 28] أي: يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه. ولهذا قال هاهنا: {أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا} أي: حجة عليكم في عقوبته إياكم.
ثم أخبر تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} أي: يوم القيامة، جزاء على كفرهم الغليظ. روي عن ابن عباس: {في الدرك الأسفل من النار} أي: في أسفل النار. وقال غيره: النار دركات، كما أن الجنة درجات.
{ولن تجد لهم نصيرا} أي: ينقذهم مما هم فيه، ويخرجهم من أليم العذاب.
ثم أخبر تعالى أن من تاب منهم في الدنيا تاب عليه إذا أخلص في توبته وأصلح عمله، واعتصم بربه في جميع أمره، فقال: {إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله} أي: بدلوا الرياء بالإخلاص، فينفعهم العمل الصالح وإن قل.
{فأولئك مع المؤمنين} أي: في زمرتهم يوم القيامة {وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما}
ثم قال مخبرا عن غناه عما سواه، وأنه إنما يعذب العباد بذنوبهم، فقال: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} أي: أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله، {وكان الله شاكرا عليما} أي: من شكر شكر له ومن آمن قلبه به عَلِمَهُ، وجازاه على ذلك أوفر الجزاء.
{لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما (148) إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا (149) }
عن ابن عباس: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول} يقول: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد، إلا أن يكون مظلوما، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: {إلا من ظلم} وإن صبر فهو خير له.
وقال عبد الكريم بن مالك الجزري في هذه الآية: هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه؛ لقوله: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} [الشورى: 41] .
عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما، ما لم يعتد المظلوم" .
عن مجاهد في قوله: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} قال: ضاف رجل رجلا فلم يؤد إليه حق ضيافته، فلما خرج أخبر الناس، فقال: "ضفت فلانا فلم يؤد إلي حق ضيافتي". فذلك الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم، حين لم يؤد الآخر إليه حق ضيافته.
وقوله: {إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا} أي: إن تظهروا -أيها الناس-خيرا، أو أخفيتموه، أو عفوتم عمن أساء إليكم، فإن ذلك مما يقربكم عند الله ويجزل ثوابكم لديه، فإن من صفاته تعالى أن يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم. ولهذا قال: {إن الله كان عفوا قديرا} ؛ ولهذا ورد في الأثر: أن حملة العرش يسبحون الله، فيقول بعضهم: سبحانك على حلمك بعد علمك. ويقول بعضهم: سبحانك على عفوك بعد قدرتك. وفي الحديث الصحيح: "ما نقص مال من صدقة، ولا زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، ومن تواضع لله رفعه الله".
{إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (151) والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما (152) }
يتوعد تبارك وتعالى الكافرين به وبرسله من اليهود والنصارى، حيث فرقوا بين الله ورسله في الإيمان، فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، بمجرد التشهي والعادة، وما ألفوا عليه آباءهم، لا عن دليل قادهم إلى ذلك. فاليهود -عليهم لعائن الله-آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، والنصارى آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد صلى الله عليه وسلم، والسامرة لا يؤمنون بنبي بعد يوشع خليفة موسى بن عمران.
والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء، فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض، فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانا شرعيا، إنما هو عن غرض وهوى وعصبية؛ ولهذا قال تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله} فوسمهم بأنهم كفار بالله ورسله {ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله} أي: في الإيمان {ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا} أي: طريقا ومسلكا.
ثم أخبر تعالى عنهم، فقال: {أولئك هم الكافرون حقا} أي: كفرهم محقق لا محالة بمن ادعوا الإيمان به؛ لأنه ليس شرعيا.
وقوله: {وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} أي: كما استهانوا بمن كفروا به إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله، وإعراضهم عنه وإقبالهم على جمع حطام الدنيا ، وإما بكفرهم به بعد علمهم بنبوته، كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة، فسلط الله عليهم الذل الدنيوي الموصول بالذل الأخروي: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله} [البقرة: 61] في الدنيا والآخرة.
وقوله: {والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم} يعني بذلك: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي بعثه الله.
ثم أخبر تعالى بأنه قد أعد لهم الجزاء الجزيل والثواب الجليل والعطاء الجميل، فقال: {أولئك سوف يؤتيهم أجورهم} على ما آمنوا بالله ورسله {وكان الله غفورا رحيما} أي: لذنوبهم أي: إن كان لبعضهم ذنوب.




موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017