الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

تفسير سورة المائدة من الآية 1 إلى الآية 10



تفسير المائدة من الآية 1 إلى الآية 10:
{يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد (1) يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب (2) } .
وهي سورة مدنية.
روي أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال: اعهد إلي. فقال: إذا سمعت الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا} فارعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه.
قوله تعالى {أوفوا بالعقود} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود: العهود.
عن ابن عباس في قوله {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} يعني بالعهود: ما أحل الله وما حرم، وما فرض وما حد في القرآن كله، فلا تغدروا ولا تنكثوا، ثم شدد في ذلك فقال: {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} إلى قوله: {سوء الدار} [الرعد: 25] .
وقوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} هي: الإبل والبقر، والغنم.
وقوله: {إلا ما يتلى عليكم} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني بذلك: الميتة، والدم، ولحم الخنزير.
والظاهر -والله أعلم-أن المراد بذلك قوله: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع} فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض؛ ولهذا قال: {إلا ما ذكيتم } يعني: منها. فإنه حرام لا يمكن استدراكه، وتلاحقه؛ ولهذا قال تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} أي: إلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال.
وقوله: {غير محلي الصيد وأنتم حرم} أي: كما أحللنا الأنعام لكم في جميع الأحوال، فحرموا الصيد في حال الإحرام، فإن الله قد حكم بهذا وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه؛ ولهذا قال: {إن الله يحكم ما يريد}.
ثم قال: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله} قال ابن عباس: يعني بذلك مناسك الحج.
وقيل: شعائر الله محارمه التي حرمها أي: لا تحلوا محارم الله التي حرمها تعالى؛ ولهذا قال تعالى{ولا الشهر الحرام} يعني بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه من الابتداء بالقتال وتأكيد اجتناب المحارم.
وفي صحيح البخاري: عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان".
وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت، كما هو مذهب طائفة من السلف.
وقوله: {ولا الهدي ولا القلائد} يعني: لا تتركوا الإهداء إلى البيت؛ فإن فيه تعظيما لشعائر الله، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها هدي إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، ولهذا لما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم أشعر هديه وقلده، وأهل بالحج والعمرة وكان هديه إبلا كثيرة تنيف على الستين، من أحسن الأشكال والألوان، كما قال تعالى: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج:32] .
قال بعض السلف: إعظامها: استحسانها واستسمانها.
وقال مقاتل بن حيان: {ولا القلائد} فلا تستحلوا وكان أهل الجاهلية إذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم قلدوا أنفسهم بالشعر والوبر، وتقلد مشركو الحرم من لحاء شجر الحرم، فيأمنون به.
وقوله: {ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا} أي: ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام، الذي من دخله كان آمنا، وكذا من قصده طالبا فضل الله وراغبا في رضوانه، فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه.
قال مجاهد وغير واحد {يبتغون فضلا من ربهم} يعني بذلك: التجارة.
وهذا كما تقدم في قوله: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} [البقرة: 198]
وقوله: {ورضوانا} قال ابن عباس: يترضون الله بحجهم.
وقد حكى ابن جرير الإجماع على أن المشرك يجوز قتله، إذا لم يكن له أمان، وإن أم البيت الحرام أو بيت المقدس؛ فإن هذا الحكم منسوخ في حقهم، والله أعلم.
عن ابن عباس قوله: {ولا آمين البيت الحرام} يعني من توجه قبل البيت الحرام، فكان المؤمنون والمشركون يحجون البيت الحرام، فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدا يحج البيت أو يعرضوا له من مؤمن أو كافر، ثم أنزل الله بعدها: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] وقال تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} [التوبة: 17] وقال تعالى:{إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} [التوبة: 18] فنفى المشركين من المسجد الحرام.
عن قتادة في قوله: {ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام} قال: منسوخ، كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من الشجر، فلم يعرض له أحد، وإذا رجع تقلد قلادة من شعر فلم يعرض له أحد. وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت، فأمروا ألا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت، فنسخها قوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5]. وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: {ولا القلائد} يعني: إن تقلدوا قلادة من الحرم فأمنوه.
وقوله: {وإذا حللتم فاصطادوا} أي: إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه، فقد أبحنا لكم ما كان محرما عليكم في حال الإحرام من الصيد.
وقوله: {ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا} ومعناها ظاهر، أي: لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية، على أن تعتدوا في حكم الله فيكم فتقتصوا منهم ظلما وعدوانا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في كل أحد. وهذه الآية كما سيأتي من قوله تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة: 8] أي: لا يحملنكم بغض أقوام على ترك العدل، فإن العدل واجب على كل أحد، في كل أحد في كل حال.
وقال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، والعدل به قامت السموات والأرض.
والشنآن هو: البغض.
وقوله: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم..
قال ابن جرير: الإثم: ترك ما أمر الله بفعله، والعدوان: مجاوزة ما حد الله في دينكم، ومجاوزة ما فرض عليكم في أنفسكم وفي غيركم.
{حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم (3) }
يخبر تعالى عباده خبرا متضمنا النهي عن تعاطي هذه المحرمات من الميتة وهي: ما مات من الحيوان حتف أنفه، من غير ذكاة ولا اصطياد، وما ذاك إلا لما فيها من المضرة، لما فيها من الدم المحتقن، فهي ضارة للدين وللبدن فلهذا حرمها الله، عز وجل، ويستثني من الميتة السمك، فإنه حلال. عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ماء البحر، فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته ".وهكذا الجراد.
وقوله: {والدم} يعني به المسفوح؛ لقوله: {أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145].
عن ابن عباس: أنه سئل عن الطحال فقال: كلوه فقالوا: إنه دم. فقال: إنما حرم عليكم الدم المسفوح.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال".
وقوله: {ولحم الخنزير} يعني: إنسيه ووحشيه، واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم.
وقوله: {وما أهل لغير الله به} أي: ما ذبح فذكر عليه اسم غير الله، فهو حرام؛ لأن الله أوجب أن تذبح مخلوقاته على اسمه العظيم، فمتى عدل بها عن ذلك وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك، من سائر المخلوقات، فإنها حرام بالإجماع.
وقوله: {والمنخنقة} وهي التي تموت بالخنق إما قصدا أو اتفاقا، بأن تتخبل في وثاقتها فتموت به، فهي حرام.
وأما {الموقوذة} فهي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت.
وقال قتادة: كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصى حتى إذا ماتت أكلوها.
أما {المتردية} فهي التي تقع من شاهق أو موضع عال فتموت بذلك، فلا تحل.
وأما {النطيحة} فهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها، فهي حرام.
وقوله: {وما أكل السبع} أي: ما عدا عليها أسد، أو فهد، أو نمر، أو ذئب، أو كلب، فأكل بعضها فماتت بذلك، فهي حرام.
وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة ونحو ذلك فحرم الله ذلك على المؤمنين.
وقوله: {إلا ما ذكيتم} عائد على ما يمكن عوده عليه، مما انعقد سبب موته فأمكن تداركه بذكاة، وفيه حياة مستقرة، وذلك إنما يعود على قوله: {والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع}.
عن ابن عباس في قوله: {إلا ما ذكيتم} يقول: إلا ما ذبحتم من هؤلاء وفيه روح، فكلوه، فهو ذكي.
وقوله: {وما ذبح على النصب} قال مجاهد وابن جريج كانت النصب حجارة حول الكعبة، قال ابن جريج: وهي ثلاثمائة وستون نصبا، كان العرب في جاهليتها يذبحون عندها، وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح، ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب.
فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح عند النصب من الشرك الذي حرمه الله ورسوله.
وقوله تعالى: {وأن تستقسموا بالأزلام} أي: حرم عليكم أيها المؤمنون الاستقسام بالأزلام: واحدها: زلم، وقد كانت العرب في جاهليتها يتعاطون ذلك، وهي عبارة عن قداح ثلاثة، على أحدها مكتوب: "أفعل" وعلى الآخر: "لا تفعل" والثالث "غفل ليس عليه شيء. ومن الناس من قال: مكتوب على الواحد: "أمرني ربي" وعلى الآخر: "نهاني ربي". والثالث غفل  ليس عليه شيء، فإذا أجالها فطلع السهم الآمر فعله، أو الناهي تركه، وإن طلع الفارغ أعاد الاستقسام.
والاستقسام: مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام. هكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير.
{وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق} أي: تعاطيه فسق وغي وضلال وجهالة وشرك، وقد أمر الله المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه بأن يعبدوه، ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه، عن جابر بن عبد الله قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن.
قوله: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني: يئسوا أن يراجعوا دينهم.. وعلى هذا المعنى يرد الحديث الثابت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم".
{فلا تخشوهم واخشون} أي: لا تخافوا منهم في مخالفتكم إياهم واخشوني، أنصركم عليهم وأبيدهم وأظفركم بهم، وأشف صدوركم منهم، وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة.
وقوله: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} هذه أكبر نعم الله، عز وجل، على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم، صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء.
وقال أسباط عن السدي: نزلت هذه الآية يوم عرفة، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات. قالت أسماء بنت عميس: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الحجة، فبينما نحن نسير إذ تجلى له جبريل، فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم على الراحلة، فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن، فبركت فأتيته فسجيت عليه بردا كان علي.
قال ابن جريج وغير واحد: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يوما.
جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين، إنكم تقرءون آية في كتابكم، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: وأي آية؟ قال قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} فقال عمر: والله إني قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه، نزلت في يوم جمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد.
وقوله: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} أي: فمن احتاج إلى تناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها تعالى لضرورة ألجأته إلى ذلك، فله تناول ذلك، والله غفور رحيم له؛ لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر، وافتقاره إلى ذلك، فيتجاوز عنه ويغفر له.
عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب أن تؤتى رخصته كما يكره أن تؤتى معصيته"
ولهذا قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجبا في بعض الأحيان، وهو ما إذا خاف على مهجته التلف ولم يجد غيرها.
وقوله: {غير متجانف لإثم} أي: غير متعاط لمعصية الله.
{يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب (4) }
لما ذكر تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها، إما في بدنه، أو في دينه، أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حالة الضرورة، كما قال: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] قال بعدها: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} كما قال في سورة الأعراف في صفة محمد صلى الله عليه وسلم: أنه {يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} [الآية: 157] .
قال سعيد بن جبير يعني: الذبائح الحلال الطيبة لهم. وقال مقاتل بن حيان في قوله: {قل أحل لكم الطيبات} فالطيبات ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه وهو الحلال من الرزق.
وقوله تعالى: {وما علمتم من الجوارح مكلبين} أي: أحل لكم الذبائح التي ذكر اسم الله عليها والطيبات من الرزق، وأحل لكم ما اصطدتموه بالجوارح، وهي من الكلاب والفهود والصقور وأشباه ذلك، كما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة.
روي عن ابن عباس في قوله: {وما علمتم من الجوارح مكلبين} وهن الكلاب المعلمة والبازي، وكل طير يعلم للصيد والجوارح: يعني الكلاب الضواري والفهود والصقور وأشباهها.
وقوله تعالى: {مكلبين} يحتمل أن يكون حالا من الضمير في {علمتم} فيكون حالا من الفاعل، ويحتمل أن يكون حالا من المفعول وهو {الجوارح} أي: وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلبات للصيد، وذلك أن تقتنصه الجوارح بمخالبها أو أظفارها.
{تعلمونهن مما علمكم الله} وهو أنه إذا أرسله استرسل، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه ولا يمسكه لنفسه؛ ولهذا قال تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} فمتى كان الجارحة معلما وأمسك على صاحبه، وكان قد ذكر اسم الله عند إرساله حل الصيد، وإن قتله بالإجماع.
وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، كما ثبت في الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إني أرسل الكلاب المعلمة وأذكر اسم الله. فقال: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك". قلت: وإن قتلن؟ قال: "وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره".
وفي لفظ لهما: "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاته". وفي رواية لهما: "فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه."
فهذا دليل للجمهور وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو أنه إذا أكل الكلب من الصيد يحرم مطلقا. وحكي عن طائفة من السلف أنهم قالوا: لا يحرم مطلقا.
فقد ذكر ابن جرير ما روي عن سعيد بن المسيب قال: قال سلمان الفارسي: كل وإن أكل ثلثيه -يعني الصيد-إذا أكل منه الكلب.
{اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين (5) }
لما ذكر تعالى ما حرمه على عباده المؤمنين من الخبائث، وما أحله لهم من الطيبات، قال بعده: {اليوم أحل لكم الطيبات} ثم ذكر حكم ذبائح أهل الكتابين من اليهود والنصارى، فقال: {وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم} قال ابن عباس وغير واحد: يعني ذبائحهم.
وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء: أن ذبائحهم حلال للمسلمين؛ لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عن قولهم، تعالى وتقدس.
وقوله: {وطعامكم حل لهم} أي: ويحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم، وليس هذا إخبارا عن الحكم عندهم، اللهم إلا أن يكون خبرا عما أمروا به من الأكل من كل طعام ذكر اسم الله عليه، سواء كان من أهل ملتهم أو غيرها. والأول أظهر في المعنى، أي: ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم.
وقوله: {والمحصنات من المؤمنات} أي: وأحل لكم نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات، وهذا هو الظاهر من الآية أن المراد بالمحصنات: العفيفات عن الزنا، كما قال في الآية الأخرى: {محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان} [النساء: 25] .
ثم اختلف المفسرون والعلماء في قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} هل يعم كل كتابية عفيفة، سواء كانت حرة أو أمة؟ حكاه ابن جرير عن طائفة من السلف، ممن فسر المحصنة بالعفيفة. وقيل: المراد بأهل الكتاب هاهنا الإسرائيليات، وهو مذهب الشافعي. وقيل: المراد بذلك: الذميات دون الحربيات؛ لقوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] .
وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية، ويقول: لا أعلم شركا أعظم من أن تقول: إن ربها عيسى، وقد قال الله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} الآية [البقرة: 221] .
عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} قال: فحجز الناس عنهن حتى نزلت التي بعدها: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} فنكح الناس من نساء أهل الكتاب.
وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى ولم يروا بذلك بأسا، أخذا بهذه الآية الكريمة: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} فجعلوا هذه مخصصة للآية التي البقرة: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [الآية: 221] إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها، لأن أهل الكتاب قد يفصل في ذكرهم عن المشركين في غير موضع، كما قال تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة} [البينة: 1] وكقوله (12) {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا} الآية [آل عمران: 20].
وقوله: {إذا آتيتموهن أجورهن} أي: مهورهن، أي: كما هن محصنات عفائف، فابذلوا لهن المهور عن طيب نفس.
وقوله: {محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان} فكما شرط الإحصان في النساء -وهي العفة-عن الزنا كذلك شرطها في الرجال وهو أن يكون الرجل أيضا محصنا عفيفا؛ ولهذا قال: {غير مسافحين} وهم: الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية، ولا يردون أنفسهم عمن جاءهم، {ولا متخذي أخدان} أي: ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إلا معهن، كما تقدم في سورة النساء سواء.
ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، إلى أنه لا يصح نكاح المرأة البغي حتى تتوب، وما دامت كذلك لا يصح تزويجها من رجل عفيف، وكذلك لا يصح عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب ويقلع عما هو فيه من الزنا.
{يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (6) }
قال كثيرون من السلف: قوله: {إذا قمتم إلى الصلاة} معناه وأنتم محدثون.
وقال آخرون: إذا قمتم من النوم إلى الصلاة، وكلاهما قريب.
وقال آخرون: بل المعنى أعم من ذلك، فالآية آمرة بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، ولكن هو في حق المحدث على سبيل الإيجاب، وفي حق المتطهر على سبيل الندب والاستحباب. وقد قيل: إن الأمر بالوضوء لكل صلاة كان واجبا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ.
وقوله: {فاغسلوا وجوهكم} قد استدل طائفة من العلماء بقوله: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} على وجوب النية في الوضوء؛ لأن تقدير الكلام: "إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم لها"، كما تقول العرب: "إذا رأيت الأمير فقم" أي: له. وقد ثبت في الصحيحين حديث: "الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
ويستحب قبل غسل الوجه أن يذكر اسم الله تعالى على وضوئه؛ لما ورد في الحديث من طرق جيدة، عن جماعة من الصحابة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه".
ويستحب أن يغسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء ويتأكد ذلك عند القيام من النوم؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده".
وحد الوجه عند الفقهاء: ما بين منابت شعر الرأس -ولا اعتبار بالصلع ولا بالغمم-إلى منتهى اللحيين والذقن طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا.
ويستحب للمتوضئ أن يخلل لحيته إذا كانت كثة لما ثبت عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه، يخلل به لحيته، وقال: "هكذا أمرني به ربي عز وجل".
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه في الصحاح وغيرها: أنه كان إذا توضأ تمضمض واستنشق.
وقد ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ فليستنثر" وفي رواية: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في منخريه من الماء ثم لينتثر" والانتثار: هو المبالغة في الاستنشاق.
عن ابن عباس؛ أنه توضأ فغسل وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنثر، ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا، يعني أضافها إلى يده الأخرى، فغسل بهما وجهه. ثم أخذ غرفة من ماء، فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح رأسه، ثم أخذ غرفة من ماء، ثم رش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني يتوضأ.
وقوله: {وأيديكم إلى المرافق} أي: مع المرافق.
ويستحب للمتوضئ أن يشرع في العضد ليغسله مع ذراعيه؛ لما روى البخاري ومسلم، من حديث نعيم المجمر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل".
[غُرًّا: جمع أغر؛ أي: ذو غُرة، وأصلها لَمْعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، والمراد هنا بياض وجوههم بنور الوضوء يوم القيامة.
مُحجَّلين: التحجيل بياضٌ في قوائم الفرس، استعير للبياض الحاصل في اليدين والرِّجلينِ من أثر الوضوء للإنسان.
والمراد: يأتون بيضَ مواضعِ الوضوء من الأيدي والأقدام.
أن يُطِيل غرَّته أي: وتحجيله، واقتصر على أحدهما لدلالته على الآخر.
والمراد أن يزيد في مكانهما عن القدر الواجب.] (منقول من موقع الألوكة).
وقوله: {وامسحوا برءوسكم} وقد جاءفي صفة ذلك من حديث صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم: "ثم مسح بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه".
وقوله: {وأرجلكم إلى الكعبين} قرئ: {وأرجلَكم} بالنصب عطفا على {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم}، روي عن ابن عباس؛ أنه قرأها: {وأرجلَكم} يقول: رجعت إلى الغسل.
وهذه قراءة ظاهرة في وجوب الغسل، كما قاله السلف.
وأما القراءة الأخرى، وهي قراءة من قرأ: {وأرجلِكم}بالخفض. فقد احتج بها الشيعة في قولهم بوجوب مسح الرجلين؛ لأنها عندهم معطوفة على مسح الرأس. وقد روي عن طائفة من السلف ما يوهم القول بالمسح.
وهي محمولة على أن المراد بالمسح هو الغسل الخفيف، لما سنذكره من السنة الثابتة في وجوب غسل الرجلين. وإنما جاءت هذه القراءة بالخفض إما على المجاورة وتناسب الكلام، كما في قول العرب: "جحر ضب خرب"، وكقوله تعالى: {عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق} [الإنسان: 21] وهذا سائغ ذائع، في لغة العرب شائع. ومنهم من قال: هي محمولة على مسح القدمين إذا كان عليهما الخفان، قاله أبو عبد الله الشافعي، رحمه الله. ومنهم من قال: هي دالة على مسح الرجلين، ولكن المراد بذلك الغسل الخفيف، كما وردت به السنة.
وعلى كل تقدير فالواجب غسل الرجلين فرضا، لا بد منه للآية والأحاديث التي سنوردها.
وقد تقدّم حديث ابن عباس في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم وفيه ذكر غسل الرجلين.
 وفي الصحيحين، عن عبد الله بن عمرو قال: تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة، صلاة العصر ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: "أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار".
ولما كان القرآن آمرا بغسل الرجلين -كما في قراءة النصب، وكما هو الواجب في حمل قراءة الخفض عليها-توهم بعض السلف أن هذه الآية ناسخة لرخصة المسح على الخفين، وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب، ولكن لم يصح إسناده، ثم الثابت عنه خلافه، وليس كما زعموه، فإنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين بعد نزول هذه الآية الكريمة.
وقد ثبت بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشروعية المسح على الخفين قولا منه وفعلا.
وقد خالفت الروافض ذلك كله بلا مستند، بل بجهل وضلال، مع أنه ثابت في صحيح مسلم، من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. كما ثبت في الصحيحين عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن نكاح المتعة وهم يستبيحونها. وكذلك هذه الآية الكريمة دالة على وجوب غسل الرجلين، مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على وفق ما دلت عليه الآية الكريمة، وهم مخالفون لذلك كله، وليس لهم دليل صحيح في نفس الأمر، ولله الحمد.
وهكذا خالفوا الأئمة والسلف في الكعبين اللذين في القدمين، فعندهم أنهما في ظهر القدم، وعند الجمهور أن الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم.
وروى البخاري تعليقا مجزوما به وأبو داود وابن خزيمة في صحيحه عن النعمان بن بشير قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال: "أقيموا صفوفكم -ثلاثا-والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم". قال: فرأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، ومنكبه بمنكبه. لفظ ابن خزيمة.
فليس يمكن أن يلزق كعبه بكعب صاحبه إلا والمراد به العظم الناتئ في الساق، حتى يحاذي كعب الآخر، فدل ذلك على ما ذكرناه، من أنهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم كما هو مذهب أهل السنة.
وقوله: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} كل ذلك قد تقدم الكلام عليه في تفسير آية النساء، فلا حاجة بنا إلى إعادته.
وقوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} أي: فلهذا سهل عليكم ويسر ولم يعسر، بل أباح التيمم عند المرض، وعند فقد الماء، توسعة عليكم ورحمة بكم، وجعله في حق من شرع الله يقوم مقام الماء إلا من بعض الوجوه.
وقوله: {ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} أي: لعلكم تشكرون نعمه عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة والرحمة والتسهيل والسماحة، وقد وردت السنة بالحث على الدعاء عقب الوضوء، بأن يجعل فاعله من المتطهرين الداخلين في امتثال هذه الآية الكريمة، لقوله صلى الله عليه وسلم "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ -أو: فيسبغ-الوضوء، يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء".
{واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور (7) يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (8) وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم (9) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (10)}.
يقول تعالى مذكرا عباده المؤمنين نعمته عليهم في شرعه لهم هذا الدين العظيم، وإرساله إليهم هذا الرسول الكريم، وما أخذ عليهم من العهد والميثاق في مبايعته على متابعته ومناصرته، فقال{واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا} وهذه هي البيعة التي كانوا يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها عند إسلامهم، كما قالوا: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله".
وقيل: هذا تذكار لليهود بما أخذ عليهم من المواثيق والعهود في متابعة محمد صلى الله عليه وسلم والانقياد لشرعه، وقيل: هو تذكار بما أخذ تعالى من العهد على ذرية آدم حين استخرجهم من صلبه وأشهدهم على أنفسهم.
ثم قال تعالى: {واتقوا الله} تأكيد وتحريض على مواظبة التقوى في كل حال.
ثم أعلمهم أنه يعلم ما يتخالج في الضمائر والسرائر من الأسرار والخواطر، فقال: {إن الله عليم بذات الصدور}.
وقوله: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله} أي: كونوا قوامين بالحق لله، عز وجل، لا لأجل الناس والسمعة، وكونوا {شهداء بالقسط} أي: بالعدل لا بالجور. وقد ثبت في الصحيحين، عن النعمان بن بشير أنه قال: نحلني أبي نحلا فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاءه ليشهده على صدقتي فقال: "أكل ولدك نحلت مثله؟ " قال: لا. قال: "اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم". وقال: "إني لا أشهد على جور". قال: فرجع أبي فرد تلك الصدقة.
وقوله: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا} أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل أحد، صديقا كان أو عدوا؛ ولهذا قال: {اعدلوا هو أقرب للتقوى} أي: عدلكم أقرب إلى التقوى من تركه.
ثم قال تعالى: {واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} أي: وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر؛ ولهذا قال بعده: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة} أي: لذنوبهم {وأجر عظيم} وهو: الجنة التي هي من رحمته على عباده، لا ينالونها بأعمالهم، بل برحمة منه وفضل، وإن كان سبب وصول الرحمة إليهم أعمالهم.
ثم قال: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} وهذا من عدله تعالى، وحكمته وحكمه الذي لا يجور فيه، بل هو الحكم العدل الحكيم القدير.

موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017