الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

تفسير المائدة من الآية 21 إلى الآية 30



تفسير المائدة من الآية 21 إلى الآية 30:
{وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين (20) يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين (21) قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون (22) قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (23) قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون (24) قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين (25) قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين (26) }
يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام، فيما ذكر به قومه نعم الله عليهم وآلاءه لديهم، في جمعه لهم خير الدنيا والآخرة لو استقاموا على طريقتهم المستقيمة، فقال تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء} أي: كلما هلك نبي قام فيكم نبي، من لدن أبيكم إبراهيم وإلى من بعده. وكذلك كانوا، لا يزال فيهم الأنبياء يدعون إلى الله ويحذرون نقمته، حتى ختموا بعيسى، عليه السلام، ثم أوحى الله تعالى إلى خاتم الرسل والأنبياء على الإطلاق محمد بن عبد الله، المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم، عليه السلام، وهو أشرف من كل من تقدمه منهم صلى الله عليه وسلم.
وقوله: {وجعلكم ملوكا} روي عن ابن عباس، في قوله: {وجعلكم ملوكا} قال: الخادم والمرأة والبيت.
وروي عنه كذلك أنه قال: المرأة والخادم {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} قال: الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ.
وعنه كذلك أنه قال:كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له الزوجة والخادم والدار سمي ملكا.
قال أبو عبد الرحمن الحبلي: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. فقال: إن لي خادما. قال فأنت من الملوك.
وقال الحسن البصري: هل الملك إلا مركب وخادم ودار؟
وقد ورد في الحديث: "من أصبح منكم معافى في جسده، آمنا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها".
وقوله: {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} يعني عالمي زمانكم، فكأنهم كانوا أشرف الناس في زمانهم، من اليونان والقبط وسائر أصناف بني آدم.
والمقصود: أنهم كانوا أفضل أهل زمانهم، وإلا فهذه الأمة أشرف منهم، قال الله عز وجل{كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110].
وقيل: المراد: {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} يعني بذلك: ما كان تعالى نزله عليهم من المن والسلوى، وتظللهم من الغمام وغير ذلك، مما كان تعالى يخصهم به من خوارق العادات، فالله أعلم.
ثم قال تعالى مخبرا عن تحريض، موسى، عليه السلام، لبني إسرائيل على الجهاد والدخول إلى بيت المقدس، الذي كان بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب، لما ارتحل هو وبنوه وأهله إلى بلاد مصر أيام يوسف عليه السلام، ثم لم يزالوا بها حتى خرجوا مع موسى عليه السلام فوجدوا فيها قوما من العمالقة الجبارين، قد استحوذوا عليها وتملكوها، فأمرهم رسول الله موسى، عليه السلام، بالدخول إليها، وبقتال أعدائهم، وبشرهم بالنصرة والظفر عليهم، فنكلوا وعصوا وخالفوا أمره، فعوقبوا بالذهاب في التيه والتمادي في سيرهم حائرين، لا يدرون كيف يتوجهون فيه إلى مقصد، مدة أربعين سنة، عقوبة لهم على تفريطهم في أمر الله تعالى فقال تعالى مخبرا عن موسى أنه قال: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة} أي: المطهرة.
وقوله تعالى: {التي كتب الله لكم} أي: التي وعدكموها الله على لسان أبيكم إسرائيل: أنه وراثة من آمن منكم. {ولا ترتدوا على أدباركم} أي: ولا تنكلوا عن الجهاد {فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} أي: اعتذروا بأن في هذه البلدة -التي أمرتنا بدخولها وقتال أهلها-قوما جبارين، أي: ذوي خلق هائلة، وقوى شديدة، وإنا لا نقدر على مقاومتهم ولا مصاولتهم، ولا يمكننا الدخول إليها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها دخلناها وإلا فلا طاقة لنا بهم.
وقوله: {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} أي: فلما نكل بنو إسرائيل عن طاعة الله ومتابعة رسول الله موسى، عليه السلام، حرضهم رجلان لله عليهما نعمة عظيمة، وهما ممن يخاف أمر الله ويخشى عقابه.
فقالا {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} أي: متى توكلتم على الله واتبعتم أمره، ووافقتم رسوله، نصركم الله على أعدائكم وأيدكم وظفركم بهم، ودخلتم البلدة التي كتبها الله لكم. فلم ينفع ذاك فيهم شيئا. {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} وهذا نكول منهم عن الجهاد، ومخالفة لرسولهم وتخلف عن مقاتلة الأعداء.
 وقد ثبت في السنة الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر استشار المسلمين، فأشار إليه عمر، ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: إذا لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك.
وقوله: {قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} يعني: لما نكل بنو إسرائيل عن القتال غضب عليهم موسى عليه السلام، وقال داعيا عليهم: {رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي} أي: ليس أحد يطيعني منهم فيمتثل أمر الله، ويجيب إلى ما دعوت إليه إلا أنا وأخي هارون، {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} قال العوفي، عن ابن عباس: يعني اقض بيني وبينهم.
وقوله تعالى: {قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين} لما دعا عليهم موسى، عليه السلام، حين نكلوا عن الجهاد حكم الله عليهم بتحريم دخولها قدرا مدة أربعين سنة، فوقعوا في التيه يسيرون دائما لا يهتدون للخروج منه، وفيه كانت أمور عجيبة، وخوارق كثيرة، من تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم، ومن إخراج الماء الجاري من صخرة صماء تحمل معهم على دابة، فإذا ضربها موسى بعصاه انفجرت من ذلك الحجر اثنتا عشرة عينا تجري لكل شعب عين، وغير ذلك من المعجزات التي أيد الله بها موسى بن عمران. وهناك أنزلت التوراة، وشرعت لهم الأحكام.
وقوله تعالى: {فلا تأس على القوم الفاسقين} تسلية لموسى، عليه السلام، عنهم، أي: لا تتأسف ولا تحزن عليهم فمهما حكمت عليهم، به فإنهم يستحقون ذلك.
{واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (27) لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين (28) إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين (29) فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (30) فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين (31) }
يقول تعالى مبينا وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم لصلبه  كيف عدا أحدهما على الآخر، فقتله بغيا عليه وحسدا له، فيما وهبه الله من النعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله عز وجل، ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة، وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق} أي: واقصص على هؤلاء البغاة الحسدة، إخوان الخنازير والقردة من اليهود وأمثالهم وأشباههم-خبر ابني آدم، وهما هابيل وقابيل فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف.
وقوله: {بالحق} أي: على الجلية والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب، ولا وهم ولا تبديل، ولا زيادة ولا نقصان.
ومعنى قوله: {إنما يتقبل الله من المتقين} أي: ممن اتقى الله في فعله ذلك.
وقد أثر عن أبي الدرداء أنه كان يقول: لأن أستيقن أن الله قد تقبل مني صلاة واحدة أحب إلي من الدنيا وما فيها، إن الله يقول: {إنما يتقبل الله من المتقين}.
وقوله: {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين} يقول له أخوه الرجل الصالح، الذي تقبل الله قربانه لتقواه حين تواعده أخوه بالقتل على غير ما ذنب منه إليه: {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك} أي: لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله، فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة، {إني أخاف الله رب العالمين} أي: من أن أصنع كما تريد أن تصنع، بل أصبر وأحتسب.
ولهذا ثبت في الصحيحين، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار". قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصا على قتل صاحبه".
قال أيوب السختياني: إن أول من أخذ بهذه الآية من هذه الأمة: {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين} لعثمان بن عفان رضي الله عنه.
وقوله: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين} قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي، في قوله: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} أي: بإثم قتلي وإثمك الذي عليك قبل ذلك.
قلت: وقد يتوهم كثير من الناس أن ذلك يعني أني أريد أن تبوء بخطيئتي، فتتحمل وزرها، ويذكرون في ذلك حديثا لا أصل له: ما ترك القاتل على المقتول من ذنب.
وإنما قلنا الصواب أن المقصود أن تبوء بإثم قتلي وإثمك الذي عليك قبل ذلك، لإجماع أهل التأويل عليه، وأن الله، عز وجل، أخبرنا أن كل عامل فجزاء عمله له أو عليه وإذا كان هذا حكمه في خلقه، فغير جائز أن تكون آثام المقتول مأخوذا بهذا القاتل، وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرم وسائر آثام معاصيه التي ارتكبها بنفسه دون ما ركبه قتيله.
وقد يطالب المقتول القاتل في العرصات فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته، فإن نفدت ولم يستوف حقه أخذ من سيئات المقتول فطرحت على القاتل، فربما لا يبقى على المقتول خطيئة إلا وضعت على القاتل. وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم كلها، والقتل من أعظمها وأشدها، والله أعلم.
قلت: وهذا الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ، وزجرا له لو انزجر؛ ولهذا قال: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} أي: تتحمل إثمي وإثمك {فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين}
وقال ابن عباس: خوفه النار فلم ينته ولم ينزجر.
وقوله تعالى: {فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين} أي: فحسنت وسولت له نفسه، وشجعته على قتل أخيه فقتله، أي: بعد هذه الموعظة وهذا الزجر.
وقوله تعالى: {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين} قال السدي بإسناده المتقدم إلى الصحابة: لما مات الغلام تركه بالعراء، ولا يعلم كيف يدفن، فبعث الله غرابين أخوين، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثى عليه. فلما رآه قال: {قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي} .
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: جاء غراب إلى غراب ميت، فبحث عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه: {قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي}.
وقوله: {فأصبح من النادمين} قال الحسن البصري: علاه الله بندامة بعد خسران.



موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017