الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

تفسير المائدة من الآية 51 إلى الآية 60



تفسير المائدة من الآية 51 إلى الآية 60:
{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (51) فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين (52) ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين (53) }
ينهى تعالى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى، الذين هم أعداء الإسلام وأهله، قاتلهم الله، ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك فقال: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}.
قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا، وهو لا يشعر. قال: فظنناه يريد هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم}.
وقوله: {فترى الذين في قلوبهم مرض} أي: شك، وريب، ونفاق {يسارعون فيهم} أي: يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر، {يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} أي: يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكفار بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك، عند ذلك قال الله تعالى: {فعسى الله أن يأتي بالفتح} قال السدي: يعني فتح مكة. وقال غيره: يعني القضاء والفصل {أو أمر من عنده} قال السدي: يعني ضرب الجزية على اليهود والنصارى {فيصبحوا} يعني: الذين والوا اليهود والنصارى من المنافقين {على ما أسروا في أنفسهم نادمين} من الموالاة {نادمين} أي: على ما كان منهم، مما لم يجد عنهم شيئا، ولا دفع عنهم محذورا، بل كان عين المفسدة، ولهذا قال تعالى: {ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين}.
واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمات، فذكر السدي أنها نزلت في رجلين، قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد: أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي، فآوي إليه وأتهود معه، لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث! وقال الآخر: وأما أنا فأذهب إلى فلان النصراني بالشام، فآوي إليه وأتنصر معه، فأنزل الله عز وجل{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} الآيات.
وروي عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي، وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحد بني عوف بن الخزرج، له من حلفهم مثل الذي لعبد الله بن أبي، فجعلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم. ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات في المائدة: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} إلى قوله:{ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} [المائدة: 56].
{يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (54) إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (55) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون (56) }.
يقول تعالى مخبرا عن قدرته العظيمة أن من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن الله يستبدل به من هو خير لها منه وأشد منعة وأقوم سبيلا كما قال تعالى: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38] وقال تعالى: {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين} [النساء:133] ، وقال تعالى: {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ذلك على الله بعزيز} [إبراهيم:19، 20] أي: بممتنع ولا صعب. وقال تعالى هاهنا: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه} أي: يرجع عن الحق إلى الباطل.
قال محمد بن كعب: نزلت في الولاة من قريش. وقال الحسن البصري: نزلت في أهل الردة أيام أبي بكر.
{فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} قال الحسن: هو والله أبو بكر وأصحابه رضي الله عنهم.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: سمعت أبا بكر بن عياش يقول في قوله{فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} هم أهل القادسية. وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: هم قوم من سبأ.
وقوله تعالى: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} هذه صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعا لأخيه ووليه، متعززا على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} [الفتح: 29] . وفي صفة النبي صلى الله عليه وسلم أنه: "الضحوك القتال" فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه.
وقوله تعالى{يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} أي: لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله، وقتال أعدائه، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم ولا عذل عاذل.
{ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} أي: من اتصف بهذه الصفات، فإنما هو من فضل الله عليه، وتوفيقه له، {والله واسع عليم} أي: واسع الفضل، عليم بمن يستحق ذلك ممن يحرمه إياه.
وقوله: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} أي: ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين.
وقوله: {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} أي: المؤمنون المتصفون بهذه الصفات، من إقام الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام، وهي له وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة للمحتاجين من الضعفاء والمساكين.
وأما قوله {وهم راكعون} فقد توهم بعضهم أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله: {ويؤتون الزكاة} أي: في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك، لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى، وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثرا عن علي بن أبي طالب: أن هذه الآية نزلت فيه: ذلك أنه مر به سائل في حال ركوعه، فأعطاه خاتمه، وليس يصح شيء منها بالكلية، لضعف أسانيدها وجهالة رجالها.
وروي  عن ابن عباس: من أسلم فقد تولى الله ورسوله والذين آمنوا.
وقد تقدم في الأحاديث التي أوردنا أن هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت رضي الله عنه، حين تبرأ من حلف يهود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين؛ ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}، كما قال تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز. لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهمورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} [المجادلة: 21، 22] .
فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين فهو مفلح في الدنيا والآخرة ومنصور في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال الله تعالى في هذه الآية الكريمة: {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}.
{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين 57وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (58) }
وهذا تنفير من موالاة أعداء الإسلام وأهله، من الكتابيين والمشركين، الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون، وهي شرائع الإسلام المطهرة المحكمة المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي، يتخذونها {هزوا ولعبا} يستهزئون بها، {ولعبا} يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد.
وقوله: {من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار} "من" ههنا لبيان الجنس، كقوله: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} [الحج:30]، {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} تقديره: ولا الكفار أولياء، أي: لا تتخذوا هؤلاء ولا هؤلاء أولياء، والمراد بالكفار ههنا المشركون.
 وقوله: {واتقوا الله إن كنتم مؤمنين} أي: اتقوا الله أن تتخذوا هؤلاء الأعداء لكم ولدينكم أولياء {إن كنتم مؤمنين} بشرع الله الذي اتخذه هؤلاء هزوا ولعبا.
وقوله تعالى{وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا} أي: وكذلك إذا أذنتم داعين إلى الصلاة التي هي أفضل الأعمال لمن يعقل ويعلم من ذوي الألباب {اتخذوها} أيضا {هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} معاني عبادة الله وشرائعه، وهذه صفات أتباع الشيطان الذي "إذا سمع الأذان أدبر وله حصاص، أي: ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي التأذين أقبل، فإذا ثوب بالصلاة أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وقلبه، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين قبل السلام". متفق عليه.
{قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون (59) قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل (60)}
يقول تعالى: قل يا محمد، لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من أهل الكتاب: {هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل} أي: هل لكم علينا مطعن أو عيب إلا هذا؟ وهذا ليس بعيب ولا مذمة.
وقوله: {وأن أكثركم فاسقون} معطوف على {أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل} أي: وآمنا بأن أكثركم فاسقون، أي: خارجون عن الطريق المستقيم.
ثم قال: {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله} أي: هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟ وهم أنتم الذين هم متصفون بهذه الصفات، فقوله: {من لعنه الله} أي: أبعده من رحمته {وغضب عليه} أي: غضبا لا يرضى بعده أبدا، {وجعل منهم القردة والخنازير} كما تقدم بيانه في سورة البقرة.
وروي عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير، أهي مما مسخ الله تعالى؟ فقال إن الله لم يهلك قوما -أو قال: لم يمسخ قوما-فيجعل لهم نسلا ولا عقبا وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك".
وقوله: {وعبد الطاغوت} وقرئ {وعبد الطاغوت} على أنه فعل ماض، "والطاغوت" منصوب به، أي: وجعل منهم من عبد الطاغوت. وقرئ: {وعبْدَ الطاغوت} بالإضافة على أن المعنى: وجعل منهم خدم الطاغوت، أي: خدامه وعبيده. وقرئ {وعُبُدَ الطاغوت} على أنه جمع الجمع: عبد وعبيد وعُبُد، مثل ثمار وثمر.. وحكي عن بريدة الأسلمي أنه كان يقرؤها: "وعابد الطاغوت"، وعن أبي، وابن مسعود: "وعبدوا".
 والظاهر أنه لا بعد في ذلك؛ لأن هذا من باب التعريض بهم، أي: وقد عبدت الطاغوت فيكم، وكنتم أنتم الذين تعاطوا ذلك.
وكل هذه القراءات يرجع معناها إلى أنكم يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا، والذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادات دون ما سواه، كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟ ولهذا قال: {أولئك شر مكانا} أي: مما تظنون بنا {وأضل عن سواء السبيل}.



موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017