الحافظات الحافظات
متفرقات

آخر المواضيع

متفرقات
متفرقات
جاري التحميل ...
متفرقات

تفسير المائدة من الآية 61 إلى الآية 70



تفسير المائدة من الآية 61 إلى الآية 70:
{وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون (61) وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون (62) لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون (63) }
قوله: {وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به} وهذه صفة المنافقين منهم، أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر وقلوبهم منطوية على الكفر؛ ولهذا قال: {وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به}أي عندك يا محمد {بالكفر} أي: مستصحبين الكفر في قلوبهم، ثم خرجوا وهو كامن فيها، لم ينتفعوا بما قد سمعوا منك من العلم، ولهذا قال: {وهم قد خرجوا به}فخصهم به دون غيرهم.
وقوله: {والله أعلم بما كانوا يكتمون} أي: والله عالم بسرائرهم وما تنطوي عليهم ضمائرهم وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك.
وقوله: {وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت} أي: يبادرون إلى ذلك من تعاطي المآثم والمحارم والاعتداء على الناس، وأكلهم أموالهم بالباطل {لبئس ما كانوا يعملون} أي: لبئس العمل كان عملهم وبئس الاعتداء اعتداؤهم.
قوله: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون} يعني: هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار عن تعاطي ذلك. والربانيون وهم: العلماء العمال أرباب الولايات عليهم، والأحبار: وهم العلماء فقط.
{لبئس ما كانوا يصنعون} روي  عن ابن عباس: يعني الربانيين، أنهم: بئس ما كانوا يصنعون. يعني: في تركهم ذلك.
عن يحيى بن يعمر قال: خطب علي بن أبي طالب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي، ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار أخذتهم العقوبات. فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقا ولا يقرب أجلا.
{وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين (64) ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم (65) ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون (66) }
يخبر تعالى عن اليهود -عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة-بأنهم وصفوا الله، عز وجل وتعالى عن قولهم علوا كبيرا، بأنه بخيل. كما وصفوه بأنه فقير وهم أغنياء، وعبروا عن البخل بقولهم: {يد الله مغلولة}.
عن ابن عباس قوله: {وقالت اليهود يد الله مغلولة} قال: لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة  ولكن يقولون: بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
كقوله {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} [الإسراء:29] . يعني: أنه ينهى عن البخل وعن التبذير، وهو الزيادة في الإنفاق في غير محله، وعبر عن البخل بقوله: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك}.
عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود، يقال له: شاس بن قيس: إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء}
وقد رد الله، عز وجل، عليهم ما قالوه، وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه، فقال: {غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا} وهكذا وقع لهم، فإن عندهم من البخل والحسد والجبن والذلة أمر عظيم.
ثم قال تعالى: {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} أي: بل هو الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه.
وقوله: {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا} أي: يكون ما أتاك الله يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقا وعملا صالحا وعلما نافعا، يزداد به الكفرة الحاسدون لك ولأمتك {طغيانا} وهو: المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء {وكفرا} أي: تكذيبا.
وقوله: {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} يعني: أنه لا تجتمع قلوبهم، بل العداوة واقعة بين فرقهم بعضهم في بعض دائما لأنهم لا يجتمعون على حق، وقد خالفوك وكذبوك.
وقوله: {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} أي: كلما عقدوا أسبابا يكيدونك بها، وكلما أبرموا أمورا يحاربونك بها يبطلها الله ويرد كيدهم عليهم، ويحيق مكرهم السيئ بهم.
{ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين} أي: من سجيتهم أنهم دائما يسعون في الإفساد في الأرض، والله لا يحب من هذه صفته.
ثم قال جل وعلا {ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا} أي: لو أنهم آمنوا بالله ورسوله، واتقوا ما كانوا يتعاطونه من المحارم والمآثم {لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم} أي: لأزلنا عنهم المحذور ولحصلناهم المقصود.
{ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم} قال ابن عباس، وغيره: يعني القرآن. {لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} أي: لأنهم عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء، من غير تحريف ولا تغيير ولا تبديل، لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم؛ فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتما لا محالة.
وقوله: {لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} يعني بذلك كثرة الرزق النازل عليهم من السماء والنابت لهم من الأرض.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {لأكلوا من فوقهم} يعني: لأرسل السماء عليهم مدرارا، {ومن تحت أرجلهم} يعني: يخرج من الأرض بركاتها.
عن زياد بن لبيد قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فقال: "وذاك عند  ذهاب العلم". قال: قلنا: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ قال: "ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء".
وقوله: {منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون} كقوله تعالى: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} [الأعراف:159] ، وكقوله عن أتباع عيسى: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون} [الحديد:27] . فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو  أوسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين كما في قوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها} الآية [فاطر:32، 33] . والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة يدخلون الجنة.
{يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين (67) }
يقول تعالى مخاطبا عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم باسم الرسالة، وآمرا له بإبلاغ جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل صلوات الله وسلامه عليه ذلك، وقام به أتم القيام.
روى البخاري عند تفسير هذه الآية: عن عائشة قالت: من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا مما أنزل عليه فقد كذب، الله يقول: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} الآية.
وفي الصحيحين عنها أيضا  أنها قالت: لو كان محمد صلى الله عليه وسلم كاتما من القرآن شيئا لكتم هذه الآية: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} [الأحزاب:37].
وهكذا في صحيح البخاري من رواية أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال: قلت لعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر.
وقد شهدت له أمته ببلاغ الرسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل، في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من الصحابة نحو من أربعين ألفا كما ثبت في صحيح مسلم، عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يومئذ: "أيها الناس، إنكم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فجعل يرفع إصبعه إلى السماء ويقلبها إليهم ويقول: "اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت".
وقوله: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} يعني: وإن لم تؤد إلى الناس ما أرسلتك به {فما بلغت رسالته} أي: وقد علم ما يترتب على ذلك لو وقع.
وقوله: {والله يعصمك من الناس} أي: بلغ أنت رسالتي، وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول هذه الآية يحرس كما ثبت أن عائشة كانت تحدث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سهر ذات ليلة، وهي إلى جنبه، قالت: فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ قال: "ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة؟ " قالت: فبينا أنا على ذلك إذ سمعت صوت السلاح فقال: "من هذا؟ " فقال: أنا سعد بن مالك. فقال: "ما جاء بك؟ " قال: جئت لأحرسك يا رسول الله. قالت: فسمعت غطيط رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه. أخرجاه في الصحيحين.
وعنها رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية: {والله يعصمك من الناس} قالت: فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة، وقال: "يأيها الناس، انصرفوا فقد عصمني الله عز وجل".
وقوله: {إن الله لا يهدي القوم الكافرين} أي: بلغ أنت، والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كما قال: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} [البقرة:272] وقال {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [الرعد:40] .
{قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين (68) إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (69) }
يقول تعالى: قل يا محمد: {يا أهل الكتاب لستم على شيء} أي: من الدين، {حتى تقيموا التوراة والإنجيل} أي: حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء، وتعملوا بما فيها ومما فيها الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان بمبعثه، والاقتداء بشريعته؛ ولهذا قال ليث ابن أبي سليم، عن مجاهد، في قوله: {وما أنزل إليكم من ربكم} يعني: القرآن العظيم.
وقوله: {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا} تقدم تفسيره {فلا تأس على القوم الكافرين}.
أي: فلا تحزن عليهم ولا يهيدنك ذلك منهم.
ثم قال: {إن الذين آمنوا} وهم: المسلمون {والذين هادوا} وهم: حملة التوراة {والصابئون} -لما طال الفصل حسن العطف بالرفع. والصابئون: طائفة بين النصارى والمجوس، ليس لهم دين.
والمقصود: أن كل فرقة آمنت بالله وباليوم الآخر، وهو المعاد والجزاء يوم الدين، وعملت عملا صالحا، ولا يكون ذلك كذلك حتى يكون موافقا للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثقلين فمن اتصف بذلك {فلا خوف عليهم} فيما يستقبلونه ولا على ما تركوا وراء ظهورهم {ولا هم يحزنون} وقد تقدم الكلام على نظيراتها في سورة البقرة، بما أغنى عن إعادته.

موقع

; ،..

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل

الحافظات

2017